الإعلام وتقليد جيل "Z"!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
فى صراعنا اليومى للتواصل مع الأجيال، لا سيما جيل Z وما بعده، نغرق فى تصفح منصات التواصل الاجتماعى وما تقدمه من مقاطع فيديو قصيرة، آملين أن تدلنا على طرف الخيط الذى يوصلنا إلى ذلك الجيل، نستغرق فى محاولة فهم مصطلحاته ولغته الجديدة والغريبة على مسامعنا، نحاول جاهدين تقليد ما نراه وما نسمعه، متوقعين أن هذه الطريقة المثلى للوصول إلى عقل الجيل الذى بات حديث العالم باعتباره الجيل الذى تفتحت مداركه على عصر التكنولوجيا والإعلام الرقمى.
تنعكس محاولاتنا للتقرب من الجيل Z على طريقة تفكيرنا وما نقدمه، نتخلى عن أسلوبنا وقناعاتنا، ننجرف فى تيار التقليد، نتجه لتبسيط كل شىء حد التفاهة أحيانا، اعتقادا منا أن ذلك الجيل لن يفهم لغتنا المقعرة أو قضايانا العميقة. ومع انخراطنا فى البحث والتطوير والتغيير والتبسيط ننجرف بعيدا عن المعايير المهنية وعن القضايا الرئيسية، نبتعد عن دورنا فى الأخبار والإعلام والشرح والتفسير؛ لنستغرق فى الإمتاع والترفيه باعتباره الدور الأهم الذى سيدخلنا إلى عالم جيل Z، ويجذب المشاهدات والقراءات وعلامات الإعجاب.
اختلاف الأجيال ليس بالأمر الجديد، فعلى مدار عقود مضت ساد تعبير «صراع الأجيال» فى توصيف لضعف التواصل بين كل جيل والذى يليه، فلكل جيل معاييره واهتماماته ولغته، ولا يعنى هذا إلغاء من سبقه أو الدعوة لانتصار جيل على آخر. على النقيض يفرض الصراع والاختلاف فرصة للحوار والبحث عن نقاط تلاقى وتواصل، يدفع لتطوير الأدوات وأساليب التواصل لا إنكار كل ما سبق. على صعيد الإعلام باتت محاولة جذب جيل Z وإيجاد نقاط للتواصل معه أهم مقومات التطوير والتغيير الإعلامى، فكل وسيلة تسعى لمخاطبة هذا الجيل، متناسية فى طريقها باقى الأجيال الأخرى التى لم تعد تقرأ هى أيضا ما يقدمه الإعلام التقليدى.
يعلق كثيرون آمالهم على جذب الأجيال الجديدة واستعادة اهتمامهم بالإعلام مكتوبا ومسموعا ومرئيا، دون أن يدركوا أن المشكلة ليست فى اختلاف الأجيال فحسب، فالإعلام فقد تأثيره على الجميع، وتراجع دوره مع كل الأجيال، لصالح منصات التواصل الاجتماعى التى باتت أسرع فى نقل المعلومة، أيا كانت درجة دقتها، أسهل فى الوصول إلى الجمهور، فهى موجودة فى جيب كل شخص على هاتفه المحمول، أبسط فى التعامل. والأهم من كل ما سبق، أنها تمنح الجمهور فرصة المشاركة فى صنع الحدث، تجعله شريكًا فى الخبر ونجما يستمع إليه الآخرون لا مجرد متلق ومستقبل لمعلومات يطرحها عليه خبراء يجلسون فى أبراجهم العاجية، ويتحدثون بتعالٍ وكأنهم يمتلكون كل العلم والمعرفة وعلى الآخرين أن يصغوا إليهم باهتمام. ومن هنا فإن تقليد جيل Z والانغماس فى ملاحقة اهتماماته ليس السبيل الأمثل لاستعادة الاهتمام بوسائل الإعلام، فالمنافسة مع منصات التواصل تتطلب خلق قنوات للتواصل مع الجمهور، واستعادة دورهم فى صناعة الحدث والتعليق عليه، وجعلهم جزءًا من الخبر لا مستقبلين له.
*نقلاً عن "المصري اليوم"