واشنطن وطهران... تفاهمات صعبة في ظروف معقّدة!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يستدعي إعلان إسلام آباد بلوغ واشنطن وطهران "نصاً نهائياً" لإنهاء الحرب قراءة نقدية جذرية تتجاوز القشرة الديبلوماسية لتفكيك بنية المشهد الإقليمي المأزوم، وهو مشهد تتضارب فيه سردية كل طرف، إذ تسعى كل دولة إلى إعلاء شأن ما حققته، وإبراز الطرف الآخر في صورة الخاضع أو المنهزم؛ وهي مقاربة بعيدة عن السياسة بمعناها الكلاسيكي القائم على التسويات العملانية الممكنة، لجنوحها إلى ثنائية المنتصر والمهزوم، التي في عالم اليوم لا يمكن البناء عليها في حروب هجينة، لا تكون فيها الهزيمة ماحقة ولا النصر تاماً!
المنطقة لا تعيش مجرد انسداد سياسي، بل أزمة بنيوية حقيقة تعمقها محاولات كل طرف فرض قواعد اشتباك جديدة، مستغلاً إغلاق مضيق "هرمز" والحصار الأميركي، سعياً لمراكمة المكاسب وتعديل موازين القوى التفاوضية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم التصلب الإسرائيلي المتوجس من أي تفاهم ممكن بين الولايات المتحدة وإيران قد يقيد العمليات الحربية لإسرائيل في المنطقة، وتحديداً في لبنان.
سيفٌ إيرانيٌ وصفقةٌ أميركيةٌ!
الموقف الإيراني الذي لخصه تصريح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن "السيف الإيراني سيبقى مسلطاً على هرمز" يجب تجريده من هالته الإيديولوجية؛ فهو في جوهره محاولة براغماتية لصياغة نصر سياسي يغطي على الخسائر العسكرية والمادية الفادحة.
طهران تسعى لإعادة إنتاج نفوذها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: انتزاع اعتراف بهيمنتها على أمن المضيق، الحفاظ على نواتها النووية تحت غطاء "التفاوض الفني"، وتأمين ترتيب إقليمي يبقي "حزب الله" في لبنان فاعلاً ومقلقاً لإسرائيل. من هنا، فإن ما يسميه النظام ب"المقاومة الديبلوماسية" ليس سوى إعادة تموضع تكتيكي يضمن مكتسباته.
في المقابل، تتحرك واشنطن بمنطق مختلف؛ فإدارة الرئيس دونالد ترامب تبحث عن صفقة سريعة تفتح مضيق "هرمز" أمام التجارة الدولية، وتقلص تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي. في الوقت ذاته، تقدم نصاً ملزماً يقيد البرنامج النووي الإيراني جذرياً، متجاوزة إرث الرئيس السابق باراك أوباما. أميركا تشترط تفكيكاً للبرنامج يخضع لرقابة دولية طويلة المدى، رافضة أي التزامات شفهية يمكن لإيران التملص منها مستقبلاً. هذا المسار السياسي رغم صعوبته وتشدد أميركا، يثير قلقاً عميقاً لدى إسرائيل التي ترفض بشدة أي تفاهمات أميركية - إيرانية تغلُّ يدها عن ضرب وتفكيك بنية "حزب الله" العسكرية، خصوصاً مع استمرار هجماته النوعية بالمسيّرات، والتي أوقعت خسائر بشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي!
الرياض ودعم التهدئة
خليجياً، تبرز المقاربة السعودية بوصفها موقفاً عقلانياً يربط بين الأمن والسياسة بلا مواربة. تدعم الرياض مسارات التهدئة التي تقودها باكستان وقطر، لكنها ترفض بشكل قاطع تحويل جغرافيا الخليج العربي وجواره إلى مساحة للرسائل العسكرية الإيرانية واعتداءاتها المستمرة على الكويت والبحرين والأردن.
الديبلوماسية السعودية لا ترفض الحوار من حيث المبدأ، لكنه مشروط بمعايير صارمة: احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، أمن الملاحة البحرية، ووقف دعم "الحرس الثوري" للوكلاء الإقليميين؛ وهو تفكيك واضح لآليات الابتزاز السياسي والأمني الإيراني.
في هذا السياق، الجهود الباكستانية - القطرية تكتسب أهميتها من قدرتها على التواصل مع طرفي النزاع، لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في سرعة توقيع "إطار التفاهم"، بل في طبيعة الضمانات التي سيفرزها. فأي اتفاق لا يخضع القضايا الأمنية العميقة للمعالجة والحل الجذري - بدءاً من الفتح غير المشروط ل"هرمز" ومروراً بضبط المواد النووية، وصولاً إلى تحييد لبنان - سيبقى مجرد ترتيب هش قابل للانهيار.
السلام المستدام يتطلب إرادة وعملاً حقيقياً ينهي مصادر التهديد، وضمانات أممية صلبة تحمي أمن دول الخليج العربي، بعيداً عن الحلول الترقيعية التي لا تستند إلى تدرج واضح ومدروس.
نقلاً عن النهار