مجلس التعاون.. ذكريات لا تذوب

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

في أبريل عام 1981 تسلّمت تعليمات المرحوم الشيخ صباح الأحمد للعودة إلى الكويت، لمرافقته في الزيارة الى موسكو، وهي آخر تجولاته في العواصم العربية والأجنبية، لشرح أهداف مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي سيعلن في مايو 1981، فكنت معه في موسكو في لقاء وزير خارجية الاتحاد السوفيتي جروميكو، مستمعاً لترحيب جروميكو بالفكرة ودعمها من قبل موسكو، ومشدداً ومتمنياً على أن المجلس القادم يستوحي سلوكه ودبلوماسيته من دبلوماسية الكويت، التي يدعمها ويرحّب بها جروميكو، ويؤكد دعم الاتحاد السوفيتي لسياسة المجلس القادم إذا ما التزم بما أكده الشيخ صباح الأحمد في الاجتماع، وفي مراعاته للخط الدبلوماسي، الذي تتمسك به الكويت.
كانت الزيارة قصيرة، أهم أهدافها إبلاغ موسكو بالمولود الخليجي الجديد وخروجه من الحوض الكويتي، الأمر الذي طمأن جروميكو، الذي يردد بشيء من العتاب تجاه دول الخليج الأخرى، متصوراً أنها تتأثر بمؤشرات من خارج الخليج، الأمر الذي جعل الشيخ صباح الأحمد يردد وبقوة، مؤكداً القرار الخليجي المستقل. كانت موسكو آخر العواصم التي زارها الشيخ صباح الأحمد في إبلاغه مختلف الدول حول المولود الخليجي القادم، الذي يلتزم بالمبادئ، التي تتمسك بها دول الخليج.

كانت الرحلة مباركة وناجحة في إزالة الشكوك والمخاوف الروسية حول دبلوماسية المجلس المقبل، ولهذا لم يتجاهل جروميكو عتابه على المملكة العربية السعودية، التي لها تحفظات تجاه مسار موسكو الدبلوماسي، هكذا تصوّر جروميكو في نبرة عتاب يرددها زعماء موسكو، وكان رد الشيخ صباح الأحمد صريحاً وقوياً في نفيه مخاوف جروميكو، وتأكيد اطمئنانه لمحتوى الدبلوماسية السعودية.

انتهت الزيارة، وطلب مني الشيخ صباح الأحمد، وفي ضوء ما طرحه جروميكو، أن أزور عواصم الخليج لأشرح محتوى الحوارات، التي دارت مع جروميكو. ذهبت إلى الرياض وعواصم الخليج الأخرى في رحلة سريعة أخذت يومين، زرت مسقط وأبوظبي والدوحة والبحرين والرياض حيث بدأت، وعدت الى الكويت حاملاً تقدير المسؤولين في هذه الدول للدور الكويتي، ولا سيما حول ما دار مع جروميكو.

كانت موسكو آخر الأعباء، التي حملها الشيخ صباح في مأمورية التوضيح والتبليغ، ونال دعماً جماعياً، وأعطى جميع العواصم تأكيدات حول هوية المجلس، وطرح خريطة السلوك، التي يلتزمها، متمسكاً بالخطوط والمبادئ التي تصونها دول الخليج.

اختار قادة الخليج أن تكون مدينة أبوظبي مركز الانطلاق بالإعلان عن قيام المجلس، وذلك بتوقيع قادة دول الخليج على وثيقة قيام المجلس، التي تحدّد هويته ومساره، وتؤكد المبادئ، التي يتمسك بها المجلس في تحمّله عبء تنفيذ القرارات، وهو الميثاق الذي يعتبر دستور المجلس، فلا مفاجآت، بل هناك تأكيد للأهداف الخليجية والعربية التي يسعى المجلس للوصول إليها.

لم يكن الأمر سهلاً، فالحقيقة ان دول الخليج متفقة حول الهيكل العام للدبلوماسية الخليجية، لكن تبرز التباينات عند التفاصيل، فهناك من هو قريب في حواراته مع الدول الكبرى، وهناك من يقلل من تواصلاته، ويحصرها وفق إملاءات الضرورة، لكنها جميعاً تصب في طريق المنافع والمصالح لدول المجلس.

ومن الحقائق، التي ظهرت وبسرعة غير متوقعة، أن هذا الاختلاف في الألوان في دبلوماسية الخليج تراجع واختفى تماماً فلم يعرقل أو يشكل عقبات.

في أول قمة خليجية في مايو 1981 في مدينة أبوظبي، وبرعاية الشيخ زايد رئيس دولة الامارات، طرحت سلطنة عُمان ملف الشأن العسكري عبر مذكرة، تضمنت واقع السلطنة في معاناتها مع اليمن الجنوبي المتحرّش والمدعوم من موسكو، فكان قرار القادة وضع المذكرة على جدول أعمال القمة الخليجية المقبلة في الرياض، والتي ستكون في شهر نوفمبر من عام 1981، وبعد ستة أشهر من القمة الأولى في أبوظبي، كما اتخذ القادة قراراً بدعوة وزراء المالية لعقد اجتماع لصياغة اتفاقية التعاون الاقتصادي، لتكون على جدول أعمال القمة المقبلة في الرياض في شهر نوفمبر 1981. كانت أولويات الشيخ جابر الأحمد، أمير الكويت، التعاون الاقتصادي المثمر لكل الأطراف والمفيد كعمود فقري للمسيرة، ولم يكن ميالاً نحو التعاون العسكري، عارفاً بمتاعبه وكثرة التباينات في الموقف، وكان مصرّاً على تداخل المصالح وتشاركها كمؤثر إيجابي في المسيرة ونجاحها، وتقبّل الشيخ جابر الأحمد الإشارة إلى التعاون العسكري في ضوء ما طرحته سلطنة عُمان، ولم يعترض تقديراً لموقفها واحتياجاتها.

انتهت القمة الأولى حاملة لمعة خليجية تولدت من القمة الأولى، وتوالت متنقلة بين العواصم الخلجية في ترافق دائم مع القمة، ومتحركة تجاه موقعها. ومن دون شك، فإن ترؤس الشيخ زايد، رئيس دولة الإمارات، القمة الأولى أشعل الحماس نحو المجلس، وأغرى الكثيرين من رجال الأعمال ومن عالم الصحافة للتواجد، حاملين استفسارات عن دور المجلس الجديد في قضايا الخليج وارتباطه بما يهم الدول العربية جميعاً، وأسئلة كثيرة عن الترابط الخليجي – العربي، وحجم المأمورية التي يرعاها الشيخ زايد، رئيس دولة الامارات، في الملف العربي. جاءت تلك التساؤلات من مؤشرات القلق من مخاوف ابتعاد الخليج عن ملف الهموم العربية، وعلى الأخص ملف فلسطين وأحلام شعبها.

كانت القمة الأولى واعيةً تماماً ومتابعة لذلك المنحى القلق، وكان الشيخ زايد أكثر من تصدى لتلك الشكوك والمخاوف، وجاء الرد قوياً وفصيحاً في محتوى البيان الختامي للقمة، الذي تزين بالتأكيد على القضايا العربية.

اتخذت القمة الأولى قرارين مهمين، التوقيع على وثيقة قيام المجلس واختيار الأمين العام، مع تحديد موعد للقمة المقبلة قي الرياض في نوفمبر 1981، واختار القادة الرياض مقرّاً دائماً للأمانة العامة، ولذلك عشت في الرياض عشر سنوات تقريباً، كانت أهم سنوات العمر.

جاء أول التعليقات حول اختياري أميناً عاماً من الملك خالد بن عبدالعزيز، حيث ردد: «اسمك بشارة، ووجهك بشارة، وإن شاء الله شغلك بشارة».

نقلاً عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط