كم مرة سينزح لبنان؟

نايلة تويني
نايلة تويني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

هذا العدد ليس عن الذين تركوا منازلهم فقط.

إنه عن وطن يعيش منذ عقود على إيقاع النزوح.
عن عائلات حملت حقائبها ورحلت، وعن آخرين بقوا في أماكنهم، لكن أحلامهم رحلت أو تجمدّت.
في لبنان، لا يحتاج الإنسان دائماً إلى أن يغادر بيته كي يصبح نازحاً.
نحن أيضاً نزحنا.
نزحت مشاريعنا قبل أن تنزح بيوتنا.


نزحت خططنا قبل أن تحمل العائلات حقائبها.
نزحت الطمأنينة من يومياتنا، والثقة من مستقبلنا، واليقين من خياراتنا.
كم من لبناني لم يغادر منزله يوماً، لكنه يشعر أنه أصبح بعيداً عن الحياة التي كان يتخيّلها لنفسه؟
كم من شاب أجّل مشروعه؟
كم من أمّ أرجأت مستقبل أولادها؟
كم من عائلة باتت حياتها في حالة انتظار؟
لهذا، فإن النزوح ليس مجرد أرقام وإحصاءات.
إنه حالة وطنية عامة.
حالة قلق جماعيّ تسِمُ بلداً بأكمله.
بلد يبحث منذ سنوات عن استقرار مؤجل، وفرصة مؤجلة، وخلاص مؤجل.


منذ عقود، يتكرّر المشهد نفسه.
حرب جديدة، نزوح جديد، خسائر جديدة، ووعود جديدة بإعادة البناء.
وكأن اللبنانيين محكومون بالدوران في الحلقة نفسها، فيما يتراجع العمران والاقتصاد والثقة والإنسان!
وكأن لبنان نفسه أصبح نازحاً.
ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن حرب إلى أخرى، ومن انتظار إلى آخر، من دون أن يصل إلى المكان الذي يستحقه أبناؤه!
في هذا العدد، نحاول أن نروي قصة الذين نزحوا من بيوتهم.
لكننا نروي أيضاً قصة وطن يبحث عن العودة إلى نفسه.
لأن لبنان لا يحتاج فقط إلى عودة النازحين إلى منازلهم، بل يحتاج إلى عودة الأمل إلى شعبه، وعودة الثقة إلى شبابه، وعودة الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون هنا، لا في مكان آخر.

ومن هذا الإيمان تنطلق شراكتنا في هذا العدد مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). فالقضايا الإنسانية الكبرى لا تُختصر بخبر عابر أو بصورة مؤلمة، بل تحتاج إلى مساحة للفهم والتوثيق والشهادة. تحتاج إلى أن تُروى بأصوات أصحابها، وأن تبقى حاضرة في الوعي العام حتى لا تتحول الأرقام إلى مجرد أرقام أخرى في ذاكرة مثقلة بالخسارات.

في "عدد النازحين"، ستلاحظون أن المقالات قد نزحت مقاطع منها، وكذلك الصور والعناوين، في رسالة إبداعية تفيد بأن للصحافة دوراً مفصلياً في أوقات الأزمات. إنها رسالة للقول إن بلداً كاملاً ليست الأمور الجوهرية في أماكنها الرئيسية فيه.
لكن الخلاص لا يولد من الحروب.
الحروب تنتج نازحين أكثر، وخسائر أكثر، وذاكرة أثقل.


الخلاص يولد من الدولة،
من المؤسسات، من سيادة القانون، من التنمية، من القدرة على حماية الإنسان في أرضه وبيته ومستقبله.
الخلاص يولد من السلام الذي يسمح للناس بأن يخططوا لحياتهم بدل أن يخططوا للهروب منها.
فالبيت ليس جدراناً فقط.
والوطن ليس حدوداً فقط.
الوطن هو المكان الذي لا يضطر فيه الإنسان إلى حمل حقيبته كلما تبدلت موازين الحرب.


وهو المكان الذي يستطيع فيه أن يبني حياته، لا أن يؤجلها.
وأن يحلم بمستقبله، لا أن يبحث عنه في مكان آخر.

نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط