بين أميركا والصين

محمد السماك
محمد السماك
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

تعرّضت الصين مرتين لمحاولة الإلغاء، كانت المرة الأولى في عام 1830 على يد بريطانيا. كانت الهند، جارة الصين، خاضعةً ل«شركة الهند الشرقية» البريطانية. وكانت تفرض ضرائب على الصين. لكن عندما عجزت الصين عن الدفع، حاولت الشركةُ البريطانية إخضاعَها عبر المساح بانتشار المخدرات والإدمان عليها. كانت المخدرات تخرج من الهند، وتشحن من هناك إلى الصين. وقد أدركت الدولةُ الصينيةُ خطورةَ الوضع، فأعلنت اعتبارَ استخدام المخدرات جريمةً، وأقفلت أبواب تهريبها في وجه السفن البريطانية، فكان الرد بفرض عقوبات جماعية. لكن الصين تحمّلت وصمدت وخرجت من المحنة دولةً متماسكة.
أما محاولة الإلغاء الثانية فكانت على يد جارتها اليابان التي تمكّنت من احتلال العاصمة في ذلك الوقت «نانجين». وقد حدث ذلك في عام 1937. كانت اليابان دولة عسكرية بامتياز في ذلك الوقت. وكانت لها طموحات في آسيا وخاصة في الصين. لم تخسر الصين في تلك المواجهة العسكرية غير المتكافئة مئات الآلاف من الضحايا فقط، ولكنها تحوّلت إلى الدولة الأضعف في شرق آسيا. حتى إن أحد كبار المسؤولين الصينيين في ذلك الوقت، وهو «زوو فوهاي»، نعاها قائلاً: «لن تقوم بعد الآن قائمة للصين، ولن تكون للصينيين دولة»!
لكن الصين التي قامت من تحت ركام القذائف البريطانية، خرجت من تحت الاحتلال الياباني حيّةً من جديد. وتعود الأصول القومية للصين الحالية إلى تلك الفترة التاريخية من الانبعاث من تحت ركام الإلغاء. فالصين اليوم التي خرجت محتفظةً بهويتها وثقافتها، تعيد صناعةَ القارة الآسيوية في القرن الحادي والعشرين، وهي تمدّ جسوراً إلى العالم في بريطانيا وأميركا اللاتينية، بعد أن أعادت فتح طريق الحرير إلى أوروبا والشرق الأوسط.لقد خاضت الصين واليابان الصراعَ قبيل انفجار الحرب العالمية الثانية، واستمرّ التقاتل بينهما أشهراً عديدةً قبل أن تقع عملية بيرل هاربور التي استهدفت من خلالها اليابانُ القواتِ الأميركيةَ في المحيط الهادئ، مما جرَّ الولاياتِ المتحدةَ إلى الحرب ضد اليابان. هنا وجدت الصينُ نفسَها لأول مرة في معسكر واحد مع واشنطن، في مواجهة «عدوّ مشترك».
وأدّى الانفتاح الأميركي على الصين إلى هجرة صينية واسعة عبر المحيط الهادئ نحو غرب الولايات المتحدة. فكانت تلك الهجرة أساساً للنهضة الصناعية في كاليفورنيا وفي مدّ خطوط سكك الحديد (وكذلك في كندا). كما كانت أساساً في انتقال الرأسمال الأميركي، الإنساني والمالي، إلى الصين للاستثمار في أسواقها الواسعة. وقد استوعبت الشخصيةُ الصينيةُ الهجرةَ الأميركيةَ إليها، أما الشخصية الصينية فاندمجت بمرور الوقت في المجتمع الأميركي متعدد الأعراق والأديان والثقافات. ويعزى التقدم التكنولوجي في «سيليكون فالي» بالولايات المتحدة إلى علماء وخبراء صينيين كانوا رواداً في صناعة الإلكترونيات الحديثة. لكن هذه المعادلات انقلبت الآن، فاليابان هي الحليف الأول للولايات المتحدة، والصين هي منافسها الأول في شرق آسيا.
غير أن الوقائع التاريخية تثبت أنه لا توجد عداءات دائمة، ولا صداقات دائمة. لكن توجد مصالح متبادلة، وهي التي تتحكم بالعلاقات بين الدول نحو الصداقة والتعاون أو نحو التنافس والتقاتل.
وكل شيء في هذا الخصوص يتوقف على نتائج حركة المتغيرات في المعادلات الدولية التي تقوم عليها العلاقات بين الشرق والغرب. علماً بأنه في الشرق غرب، وفي الغرب شرق.

نقلاً عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط