حكومة الزيدي والاستحقاقات المقبلة
اعتدنا في العراق، وفق نظامه الديمقراطي التحاصصي، وعلى مدى عدة دورات انتخابية منذ عام 2005، على مخالفة ما هو متعارف عليه من ثوابت في الدول الديمقراطية، وهو تولي الحزب أو التكتل الفائز في الانتخابات بقيادة البلد، وحكومة علي الزيدي الحالية ليست استثناء من ذلك.
فمنذ انتخابات عام 2010، لم يأتِ إلى رئاسة الوزراء أشخاص بأدوات مرشحيهم، ابتداء بالمالكي ثم العبادي فعبد المهدي فالكاظمي، وأخيراً السوداني، فالزيدي، الذي لم يسهم في الانتخابات، كما أن ليس لديه حزب سياسي ولا كتلة نيابية في البرلمان تحمي ظهره، في حالة تعرضه للمساءلة، كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية.
الزيدي ليس من الوسط السياسي العراقي الذي عرفه الشارع، وأسهمت الأوساط الإعلامية في إبراز هويته، كأحد أبرز الرموز الاقتصادية في ما بعد التغيير في عام 2003.
إلا أن من السذاجة بمكان، تصور أن ليس لديه صورة واضحة عن الواقع المأساوي الذي يحيق بالبلد، وخصوصاً بواقعه الاقتصادي، فحجم استثماراته المالية في مختلف أفرع هذا الاقتصاد، ولعل أهمها البطاقة التموينية، يجعله أبرز العارفين بواقعه، ومدى هشاشته، ومدى الحجم الذي قد تصل إليه تعثراته.
فهو لم يكن بعيداً عن الواقع السياسي العراقي على مدى السنوات التي مارست فيها شركاته العديدة، ورؤوس أموالها المليارية، نفوذها في الواقع السياسي العراقي، وكانت خلالها عرضة لمختلف المساومات والابتزازات، فهذه الشركات ليس بإمكانها القيام بأعمالها دون متابعات يومية للمسارات السياسية.
الزيدي يتمتع، على خلاف من سبقوه في رئاسة الوزارة، بدعم محلي وإقليمي ودولي غير مسبوق، وهو الوحيد الذي تلقى مكالمة هاتفية من الرئيس الأمريكي، دامت عشر دقائق، يسأله فيها «كيف لي أن أساعدك؟»، وهذا في الحقيقة يؤشر بشكل صريح، في أطر التحديات السياسية المعقدة في المنطقة، وفي خضم أجوائها العربية المفعمة بالترقب، بأن القادم فيه الكثير من غير ما اعتدنا عليه، ولعل أقل ما يمكن أمله، هو البقاء على الحال كما هي، وليس الانحدار إلى ما هو أسوأ.
الزيدي يقارب ملفات ساخنة خطيرة، لم يلامس من سبقوه إلا هوامشها، لأنها تنال من رموز العملية السياسية الذين تحالفوا رغم عمق الخلافات السياسية بينهم، وعمق التباعد بين برامجهم، على صيانة الحدود التي تضمن مصالحهم السياسية.
من الصعب الحكم على مدى قدرة الزيدي على مواجهة ملف الفساد الكبير الذي يرتبط بأركان العملية السياسية نفسها، وليس بأفراد فاسدين فحسب، فالملف السيادي في العراق، ملف مرتبط بآلية العمل السياسية المعقدة تاريخياً في منطقة الشرق الأوسط.
في سياق التطورات الاستثنائية في المنطقة، وخاصة ما يجري في العراق، هناك سؤال كبير، لا مجال لتجاهل الإجابة عنه، وهو هل تستطيع حكومة الزيدي مواجهة استحقاقاتها؟
من غير الممكن تجاهل المخاطر التي تواجه حكومة الزيدي منذ الإعلانات الأولى لولادتها، فهي رغم حصولها على ثقة المجلس النيابي، تجد صعوبة في إتمام كيانها، فهناك تسع وزارات لم تستطع الحكومة التوصل إلى تعيين وزرائها، لخلافات داخلية من الصعب تقدير حجومها داخل الإطار التنسيقي الذي أنجبها، هذا إضافة إلى أنها قد فتحت ملفين من أخطر الملفات التي تلكأت سابقاتها في مواجهتها، أو فعلت ذلك بقدر كبير من الخجل، وهما ملف الفساد، وملف الفصائل المسلحة.
إلا أنه من جانب آخر، هناك بعض التفاؤل، إذ لا يمكن تجاهل الظروف التي أدت إلى تغيير موازين القوى في المنطقة في الشهور الأخيرة، وتراجع دور طهران فيها.
نقلاً عن البيان