عدوى الانتماء

أثير ناظم الجاسور
أثير ناظم الجاسور
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

منذ العام 2003 والفوضى التي خلفها الاحتلال الامريكي الذي كان سببا فيما بعد الى تقسيم مناطق ومحافظات العراق الى كانتونات ميزت بين هذه الجماعة أو تلك طائفيا ودينيا وقوميا، عانى المجتمع العراقي من فكرة التعايش السلمي التي تعد من بديهية المجتمعات الآمنة الخارجة من مطحنة الدكتاتورية، الخطير أن المجتمع بطبقاته المختلفة ونخبه السياسية والاجتماعية والثقافية ايضا دخلو في صراع الفوضى الذي انتج انقسام في العقل والتفكير والفهم، مما جعله يُشكل واقعا قد لا يكون غريب عليه لكنه بالضرورة خطير على مستقبله، الخوض في قضية الانتماء والتخندق هي بالحقيقة لم تكن وليدة الاحتلال لكن مساحة عدم وجود الدولة عزز من ترسيخ ثوابتها في العقل الجمعي، مما جعل من تشكُل الجماعة بهويتها الفرعية أمر لابد منه في مرحلة تطلبت ذلك بالرغم من ما تنتجه تعقيد ساعد فكرة نهوض الهوية الفرعية، هذا الفعل والحدث خلق سؤال حول إمكانية قدرة هذه الجماعات على الاستمرار؟، القضية هنا كانت ولا تزال اشبه بالعدوى لا مفر من أعراضها الجانبية التي بالضرورة تعمل على اضعاف الجسد، والدولة وهويتها كذلك عانت من اعراض عدوى الانتماءات الفرعية التي ساهمت في تفكيك التماسك الاجتماعي وعملت على خلخلت التوازن السياسي، بالتالي اجتماعيا لا بد من الاعتراف من أن الهويات الفرعية لا تزال لها القدرة والفاعلية في رسم مشاهد مشوهة للواقع.
أما سياسيا بالرغم من انه الجانب الاكثر تأثيراً لابل هو العامل الأساس الذي لعب دوراً في رسم معالم التخندق إلا انه بات واقعا يخضع لفكرة الانتماء مما ساعد على غياب ممارسة الفعل السياسي بكل صوره العلمية والعملية، هذا الفعل لم تصبه عدوى السياسة فلم تتم دراسة النماذج السياسية الناجحة في العالم فسياسيو العراق لم تصبهم عدوى نجاح التجارب بل راحوا لفكرة التبعية المطلقة التي اسست للفعل السياسي الفارغ من محتواه مما جعلهم يسيرون ضمن مسار التوجيه سواء توجيه داخلي لقلته وعجزه او التوجيه الخارجي لقوته وتأثيره، بالنتيجة الفعل السياسي أو العمل السياسي لم يكن نتاج نسق فكري للوحدة القرارية بقدر ما كان ولا يزال تطبيقا للتوجيه الفرعي، إن قضية السير وفق متبنيات الاخرين تُعطي نتائج بالتأكيد ذات نتائج اليوم وانعكاسها على مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكل ما له علاقة بعملية الإدارة والتنظيم داخل الدولة، فانتماء صانع القرار والوحدة القرارية برمتها إلى نسق فكري وعقيدة سياسية لا تشبه الدولة ومستويات عملية تكاملها بالضرورة نتائج سياستها ستكون غير منطقية وغير عقلانية.
اليوم يعيش العراق نتاج العدوى للانتماء بكل تجلياته هذا فضلا عن تقليد أعمى أو السير ضمن ركب لا يعلم من في السلطة نتائج هذا السير، سياسيا لا يمتلك العراق اليوم أدنى مقومات القوة حيث لعبت الفساد والمحسوبية دور في ضياع إثبات قدرة العراق على ان يكون له دور فاعل في المنطقة بالرغم من ما يمتلكه من مقومات تساعد على جعله رقما سياسيا مهماً، هذا الوضع مستمر لا لعدم امتلاك العراق الكفاءات بل لعدم ايمان الاحزاب باستقلالية القرار السياسي وصناعة منهج عراقي يؤسس لبناء سياسة عراقية قادرة على فرض معادلة تغير حقيقية داخليا وخارجيا، إلى جانب فكرة الانتماء الأعمى لهذا الطرف أو ذاك هناك اعتماد شبه كامل وإيمان من أن المعادلة السياسية تخضع لمجموعة من القواعد التي تُبين إن القرار السياسي العراقي جاهز لكن بإرادة غير عراقية.
اقتصاديا ايضا لا يمتلك العراق منهجا اقتصاديا يُحدد مستوى التعامل أو يُحدد ما ممكن ان يتم صياغته لإنتاج اقتصاد يتخلص من عبثية الريع النفطي التي ساهمت بتوسع عملية الفساد والتي راكمت الاختلالات الاقتصادية التي يعاني منها العراق فضلا عن الأثر الكبير في التأثير على سلوك وفهم صانع القرار الخاطئ تجاه بناء سياسة اقتصادية موازية لهذا الريع، بالتالي فإن عملية ادراك نوع وشكل الاقتصاد العراقي تتطلب فهم مستويات الانتماء والاعتماء اللذان سببا خسارات وانكسارات ساهمت في ايصال عجز الدولة على ما هي عليه اليوم، بالمحصلة تبقى فكرة عدوى الانتماء الغير منطقية والغير عقلانية تُهيمن على عقل من يعمل على إدارة الدولة المؤمن بانه يعمل خارج إطار منطق الدولة.

نقلاً عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط