قطار التهجير من غزة

أيمن خالد
أيمن خالد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

رواية اليمين الإسرائيلي تعمل على إخفاء معاناة أهالي غزة وتصف أغلبية سكان القطاع أنهم ما زالوا يواصلون تأييد حماس، وأما رواية حماس فهي تعمل تصوير واقع الحال في غزة بأنه صمود اسطوري، فيما كلمة الصمود هذه، هي خاصية تُطلق عادة على الجيوش المتحاربة أثناء تحملها أعباء المعارك، غير أن هذا المصطلح استخدم مجازاً في الساحة الفلسطينية بعد عام 1967 وأصبح يعني التشبث بالأرض ورفض الترحيل القسري كما حدث في نكبة عام 1948، ثم تحوّل الشعار فيما بعد ليصبح حقيقة شعبية يومية في مواجهة الاستيطان. لكنه في زمن حماس أصبح مختلفاً وبات يعني قبول الشعب الفلسطيني بتحمل الأعباء والمعاناة خلف حماس، علماً أن حماس ترى أن معاناة الفلسطينيين في غزة هي واجب عليهم تجاه الحركة، وهنا تكمن الأيديولوجيا وكوارثها.

بالتالي مع هذه الرؤية الإلزامية يصبح كل من سيعترض على سياسة حركة حماس هو خائن وعميل وخارج عن الصف يستحق المساءلة والعقاب آت قبلها، بالتالي هما روايتان لكن رواية حماس تدعم ضمنياً الرواية الإسرائيلية لأنها تعمل على توصيف معاناة أهالي غزة عبر إلحاقهم بمشروعها السياسي حتى ولو كان لأهل غزة روايتهم المختلفة عن الطرفين، فالأصل في الرواية الإسرائيلية أنها بنيت على قاعدة تعميم الصورة وأن الفلسطينيين في غزة بأطفالهم وحتى الأجنة هم كيانية واحدة معادية تستوجب التخلص منهم، فمن لم تأكله الحرب هو واقع حكماً ضمن قاعدة التهجير، وهو ما كان قد انطلق كتصور سابق ولم يتوقف، خصوصاً ما أثير منذ أيام من أن الجانب الأمني الإسرائيلي سيتولى مسألة التهجير من غزة، بمعنى أن مسألة التهجير هي ملف متجدد في الرؤية الإسرائيلية.

ففي المعادلة هناك حماس كتنظيم ولائي يلزم الجميع باتباع خطاه قسراً، وهناك معاناة إنسانية داخلية فوق المتخيل البشري، وهناك معادلة إسرائيلية تتجاوز حدود غزة والضفة، فوزيرة الاستيطان الإسرائيلية تتحدث عن خطط لتعزيز الاستيطان ثم لبناء مدينة مخصصة للحريديم قرب أريحا، بينما يتحدث الوزير سموتريتش أن النقب والجليل هما هدف ما بعد الضفة، ما يعني استهداف الفلسطينيين داخل ما يعرف بالخط الأخضر، وهو الذي أقيمت عليه إسرائيل سنة 1948، بالتالي وفق منظور اليمين الإسرائيلي أن جميع الفلسطينيين هم في كفة واحدة، وأن فكرة التهجير والتخلص منهم هي الأساس السياسي، وهذا يعني أنه سيشمل حتى المليشيات التي أنشأتها إسرائيل، لأنها أصلاً تم انشاؤها لهدف أمني بغية توسيع رقعة الصراع داخل غزة وليس من أجل معادلة سياسية.

معضلة حماس، أنها كانت إحدى أكبر عثرات الشعب الفلسطيني، وأن انقلابها على السلطة في غزة في 2007 كان نقطة تحول كارثية وضع قطار التهجير في صدارة المشهد نتيجة سوء الإدارة، ومع تضارب الأنباء عن عدد الذين غادرو غزة قبل السابع من أكتوبر "بسبب نفي حكومة حماس للأرقام المتداولة" غير أن الرقم شبه المتفق عليه يتجاوز 100 ألف مهاجر بدون عودة، يضاف إليهم من هاجر اثناء الحرب قبل سيطرة إسرائيل على المعبر. بالتالي يأتي الحراك المدني الأخير في غزة والذي قدم رسالة مهمة لحركة حماس، أن أهالي غزة لم يطلبوا المستحيل، فهم طلبوا أولاً أن تلتزم حماس بما وقعت عليه مسبقاً من اتفاق الهدنة، وهو خروجها من مشهد السلطة، بغية الحصول على الحد الإنساني في الغذاء والدواء وعلاج عشرات الاف الجرحى الذين تتوقف استمرار آلامهم على تتمة المعادلة السياسية غير أن حماس التقطت الرسالة بشكل مختلف عبر اصدار الفتاوى بحرمة الخروج عليها، ثم نشرت عناصرها بين التهديد والوعيد على البقعة المتبقية من الأرض التي لا تخضع للاحتلال والتي تسكنها خيام المنكوبين الذين تحكمهم معادلة شائكة تعود إلى الحالة البنيوية للحركة، أنها نسيج أيديولوجي متكامل يجعل من الأفراد خارج مساحتها خارج نطاق مسؤولياتها، بينما تصبح مسؤولية الناس تجاه الحركة التبعية المطلقة.

فبينما تبرر إسرائيل مشروع تهجير سكان غزة بأن الجميع هم حماس، تنتقل حماس من مفاوضات إلى مفاوضات تصب في النهاية في انسداد الأفق بما يجعل من العامل الزمني على سكان غزة ثقيلاً فوق المستطاع، فقد لا تكون حكومة اليمين المتطرفة مستعجلة وقد تكون معادلة التهجير المطروحة انتخابية، لكن انسداد الأفق قد يجعل من قطار الهجرة مجرد محطة انتظار، بينما تسليم السلطة يفتح طريق البقاء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط