إسرائيل.. وإدمان الحرب

أيمن خالد
أيمن خالد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

أزمات إسرائيل الحالية والمستقبلية سوف تتكدس تباعاً كمسألة بنيوية داخلية معقدة، نتيجة انسداد الأفق السياسي بعد جولات الحروب التي لم تعد تحقق مكاسب سياسية لإسرائيل بقدر الأضرار التي تخلفها على المستوى الداخلي، لأن تسويق الحروب سقط في ميزان المبررات، فقد كان المتوجب أن ينتهي دور إسرائيل الأمني مع نهاية حقبة الاتحاد السوفييتي، وهكذا ظهرت في اعقابها "اتفاقية أوسلو" كنوع من التحول الطبيعي لما بعد الحرب الباردة أكثر منها عملية اختيارية طلبتها إسرائيل، غير أن مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين عطّل المسار السياسي وأعاد تركيب السلطة السياسية في إسرائيل في دائرة البنية المضطربة والصراعات البينيّة.


وهي ما عبر عنها "نفتالي بينيت" عبر وصفه للسابع من أكتوبر أنه خطأ السنوار الاستراتيجي لأن الهجوم أنقذ إسرائيل من الانقسام الداخلي وأوقف "التدمير الذاتي" فيها. تماماً هو الوصف الذي وثّقته مراكز دراسات عبرية وغيرها بالأرقام والاستطلاعات عمق هذا الانقسام قبل الحرب على غزة، ما يعني أن ما فعلته حماس هو أنها عززت رؤية اليمين المتطرف على مدار السنوات، والذي حوّل الحرب فيما بعد إلى " مادة إدمانية " وبات يخشى من تركها والانتقال نحو عملية سياسية حقيقية خوفاً من اليوم التالي والذي أصبح يرى فيه نهاية معسكره السياسي رغم محاولات تعزيزه للجوانب الأيديولوجية على مدار أكثر من عقدين في الداخل.


لكن هذه المرة ثمة عوامل خارجية تريد إنهاء الحرب وحالة الحرب، وبناء معادلة استقرار تنسف أيديولوجيا الحرب وتلغي مبرراتها، وهنا بالضبط تعيش اسرائيل لعبة الساعة الاخيرة أمام الاستحقاق السياسي الذي طال ام قرب فهو بين مسارين نقيضين مهمين. الأول ان مصالح العرب والعالم باتت مشتركة أكثر من أي وقت مضى وتسير نحو مستقبل واضح المعالم، بينما الآخر والمتمثل في مصالح اليمين المتطرف في إسرائيل في إعادة تكوين واستبدال هذا التكتل الكبير غير متاحة، بما في ذلك مسألة التفوق العسكري الذي ظلت إسرائيل تراهن عليه طوال عقود مضت غير أنه لم يعطها تفوقاً في المجال السياسي، وأما فكرة التفوق في المصالح فهذه بحد ذاتها معضلة إسرائيلية جديدة ستبقى في تصاعد مستمر، لأن المصالح بين الدول لا يحكمها قانون الغاب، وما بات واضحاً في عموم العالم الغربي حتى على مستوى الشارع من أن فكرة إسرائيل تعيش في محيط من الأعداء هي ليست واقعية، أمام مشهد الخصومة الذي تفرضه إسرائيل في معادلاتها في عموم المنطقة.


بالتالي يمكن قراءة هذا الهاجس عبر ما قاله زير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر "إسرائيل هي الرصيد الاستراتيجي الأكثر أهمية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط" وهو كلام يحتاج جهداً كبيراً من التبرير غير متوفر في أمريكا أمام المُعلن والمتاح السياسي، أو التشريعي، ويمكن قراءة ما كتبه مؤسس التجمع الجمهوري المؤيد لإسرائيل السيناتور جو ويلسون:
" كنت صديقًا لإسرائيل ورئيس الوزراء نتنياهو طوال مسيرتي، لكن العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في سوريا مقلقة للغاية، خاصة في الأيام الأخيرة، بما في ذلك القصف والسيطرة على المزيد من المدن السورية. هذه الأفعال مضرة بمصالح إسرائيل نفسها، وغير مسؤولة، وتتناقض مع ما يسعى إليه الرئيس ترامب والوزير روبيو".

ولكن لماذا سوريا مثلاً ؟ والتي رغم وضوح الرسالة الأمريكية من خلال استضافة رئيسها في البيت الأبيض ورفع العقوبات عنها، والانفتاح الدولي عليها، لكنها رغم ذلك تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية، والسبب أن النخبة الحاكمة في إسرائيل تريد البقاء عالقة في إرث انتهى زمنه، وتريد منه أن يعود واقعاً مستداماً ونوعا من الثوابت التي لا تزول، هنا بالضبط تصبح فكرة إدمان الحرب تمثل حالة استعصاء فريدة من نوعها، ما يعني أن العالم أمام واقع سياسي واضح المعالم، مفاده أن المنطقة العربية تشكل صورة الاستقرار وهي الحاضر والمستقبل للعالم أجمع، بينما ينكشف اليمين المتطرف في إسرائيل بأنه حالة طفيلية، يمكن أن ترى أثره يومياً كيفما توجهت. بالتالي لا يخسر العرب العامل الزمني الذي أحسنوا التعامل معه على مدار عمر المنطقة العربية، لكن إدمان الحرب في العقلية الإسرائيلية يجعل من اليوم الحالي والتالي في إسرائيل أزمة دولية مستدامة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.