مستقبل الغرب وظهور القياصرة الجدد

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

تستدعي العديدُ من مظاهر الانفلات الأخلاقيّ والشعبويّة العنصريّة، ناهيك عن صحوة القوميّات والفكر الأحاديّ في الدوائر الثقافيّة الغربيّة، التساؤلَ عن مستقبل الغرب في قادم الأيّام، وهل نحن بالفعل أمام إرهاصاتٍ لذات الحقبة التي شهدتها الإمبراطوريّة الرومانيّة في زمان تفكُّكها وانفراط عقدها، أم أنّ الحضارة الغربيّة، في شكلها الحاليّ، لديها من أدوات القوّة والمنعة ما يجعل مسألة انهيارها أمرًا غير قريب، وإن كانت الأقدار حكمًا ستلاحقها ذات نهار؟
الشاهد أنّه مع صعود الفوضى الكونيّة، والتي أعقبت شكوكًا واسعة في طروحات وشروحات العولمة، تلك التي بَشَّرت بعالمٍ واحد، من غير حدود أو سدود، بدأت العديد من المراجع الفكريّة غربيّةً وشرقيّةً، تعقد مقاربات بين ما يجري في الدوائر الحضاريّة الغربيّة الآنيّة، من أوروبّا إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، وما حدث في روما القديمة، حيث يذكرون العصور الأخيرة للثقافة الكلاسيكيّة، تلك التي اتّسمت بالفظاظة، والتجريد العلميّ، والفوقيّة العنصريّة ذات السمة العِرْقيّة.

هل اليوم شبيه بالأمس؟

يخشى المرء من أن يكون ذلك كذلك، حتّى لو كان الأمر في بداية المخاض، ففي أوروبّا بنوعٍ خاصٍّ، تتراجع النزعات ذات الطبيعة الإنسانويّة، وتكاد تتوارى صيحات الحقوق التي نادى بها مفكّرون عظام من أمثال چون لوك، وحديثه عن التسامح في رسالته الشهيرة، لاسيما بعد تصاعد معدّلات اليمين المخيف في الكثير من بقاع وأصقاع أوروبّا وأميركا الشمالية برُمَّتها.
في مؤلَّفه الكبير والخطير "رؤية للفوضى: استطلاعات عن انحسار الحضارة الغربية"، يخبرنا الكاتب الأميركي ب. ج. براندر، بأنّه عندما تستمرّ فترة فوضى التفكيك، لا يبدو أن أحدًا يخمّن الوجهة التي سيسقط فيها البيت الورقيّCard Castle، في المجتمع الكسيح.
هل تمرّ المجتمعات الغربيّة بهذه الفترة التي تبدأ فيها قواه الداخليّة في الشكوى؟ وإن كان ذلك كذلك، فما هي الأسباب التي تدفع في هذا السياق؟
يمكن التأكيد بدايةً على أنّ الضغوطات الاقتصاديّة، تخرج ربّما المشاعر عن السياقات الطبيعيّة، ومن هنا تنطلق صيحات المفاضلة، كما نرى اليوم في العديد من الحواضن الأوروبّيّة، بين المواطنين، والمهاجرين، وتظلّ مسألة الاندماج من جانبٍ آخر عاملًا مثار اشتباكٍ ثقافيٍّ، حتّى بعد الحصول على جنسيّات تلك الدول.

في هذا السياق، طفت وتطفو من جديد دعواتٌ مخيفة ومثيرة للخطر، من نوعية "الانقلاب الديموغرافيّ"، ذاك الذي يمكن أن يغيّر الأوضاع ويبدّل الطباع، ويعكس الحقائق.. ماذا نعني بذلك؟
باختصار غير مُخِلٍّ، هناك اليوم العديد من النظريّات الفاقعة، ذات الرايات الزاعقة التي تحذّر من فكرة الاستبدال الكبير ، بمعنى أنّ شعوبًا من أعراقٍ مغايرة، تكاد تحتلّ بلاد المهجر من خلال تزايُد أعدادها، ومن هنا تنشأ الصدامات التي تبدأ من منطلقاتٍ ثقافيّة، ومن ثمَّ تمتدّ إلى بقيّة جوانب الحياة وصولًا إلى المناوشات العنيفة، كما رأينا مؤخَّرًا في عددٍ من الدول الأوروبيّة، فقد جاءت بعض الحوادث الفرديّة من جانب مهاجرين، لتُلاقي عنفًا شديدًا من جماعاتٍ راديكاليّة يمينيّة، تمادت بقوّة في رَدَّات فعلها، وبما يتجاوز مقدار الأخطاء التي وقعت من أفرادٍ ذوي خلفيّة عرقيّة مختلفة من المهاجرين.


هنا يبدو التاريخ وكأنّه ينفخ في بوق القرن، مطلقًا نوعًا من التحذيرات من جَرَّاء تشابه الأمس باليوم، ذلك أنّه لم يعد سقوط الغرب رهنًا بفكرة الصراع النوويّ مع السوفيت كما كان الحال في زمن الحرب الباردة، وإن لاحت في الأفق مخاوفُ في هذا الشأن من جَرَّاء الصعود المتنامي للصين النوويّة من جانب، والتهديد الذي لا ينقطع من الروس من جانب آخر باستخدام أسلحة الدمار الشامل، نقول هذا السقوط لم يَعُدْ مشروطًا، لكن ومع ذلك، فقط طفا على السطح مهدِّدٌ خطير آخر للسقوط.. ماذا عن هذا؟


بحسب رؤية علماء الاجتماع، فإنّ الحقبة الحاضرة التي تلت ثلاثة عقود ونصفًا تقريبًا من سقوط الاتّحاد السوفيتيّ واستعلان الغرب هيمنتَه الكاملة، تبدو في طريق الأفول، ومن علامات هذا الأفول حدوث الفوضى، وبداية التفكُّك المجتمعيّ، وظهور النزعات المذهبيّة، ناهيك عن تكاثر الطوائف، سواء كانت إيديولوجيّة أو دوغمائيّة.


هنا يكون من الطبيعي بمكان رواج أصوات مواطنين يصفهم البعضُ بالمخبولين، وهؤلاء أكثر خطورةً من المؤدلجين، يمضون وراء سياقات تقود إلى الاستعلاء غير المسبوق، لا على الصعيد المحلّيّ فقط، بل على الصعيد الإقليميّ، ومن ثم تكون التوجّهات عالميَّةً.


تبدو تجربة جمهوريّة فيمار، الاسم التاريخيّ لألمانيا، والتي نشأت عقب هزيمة الإمبراطوريّة الألمانيّة في الحرب العالميّة الأولى مثالًا على صعود هذه الطبقة المنحرفة سياسيًّا وفكريًّا إن جاز القول.


امتدَّتْ هذه الجمهوريّة زمنيًّا من 1919 وحتى 1933 ميلاديّة، وقد كانت الحاضنة الخطيرة التي نشأت وترعرت فيها النازيّة، ومن خلالها وُلِدت الأفكار التي قادت إلى حرب كونيّة تسببت في مصرع سبعين مليون شخص، ودمار معظم دول أوروبّا الغربيّة، لولا المدد الأميركي المتمثّل في خطة مارشال الاقتصاديّة.
يعنّ لنا التساؤل اليوم: "هل ما يحدث من صعود للأحزاب اليمينيّة مثل التجمّع الوطنيّ في فرنسا، والرابطة في إيطاليا، والبديل من أجل المانيا، وفيدس في المجر، والحرّيّة في النمسا، والعشرات من الأسماء المشابهة، هو بداية جمهورية جديدة، تتجاوز في سطوتها مساحة الأمّة الألمانيّة وأطماع الرايخ الثالث، وتسعى إلى بلورة غربٍ مغاير، قائم على مشاعر باطنيّة مليئة بصحوة الأحقاد التاريخيّة، بين الشرق والغرب تارةً، وبنوازع عقديّة تارةً أخرى، ما يعني إدخال العالم من جديد في نوبة مواجهات مشابهة لما جرت به الأقدار من 1096 وحتى 1291؟
تبدو الكارثة لا الحادثة متمثّلةً في أنّ ذيوع وشيوع الفوضى، سوف يتسَبَّب في أمرٍ يُعَدُّ بعيدًا كلَّ البُعد عن ذهن فرنسيس فوكاياما، الرجل الذي اعتبر العام 1992، أن التاريخ وصل إلى نهايته عبر سيادة وريادة نموذج الديمقراطيّ الغربيّة، والليبراليّة المعولمة ، بل والمُعَبَّأة التي ينبغي تصديرها لما يُتَصَوَّر أنّه دول العالم الثالث، وغالب الظنِّ كانت سببًا في تأجيج دعوات الربيع المزعوم على خسائره الكارثيّة في الشرق الأوسط.


ما ستخلّفه انتكاسة الغرب الحضاريّة حكمًا سيقود إلى ظهور ديكتاتوريّات بهدف مُعلَن، هو فرض السلام وإبطاء تقَدُّم الانحدار، وهي الهيمنة التي يسمّيها المؤرّخون "القيصرِيّة"، أي ظهور نوعٍ من أنواع القياصره الجُدُد، ورُبَّما يتمُّ الترحيب بها من قِبَل جموع الشعوب الخائفة من امتدادات وأكلاف الفوضى، ويرحّبون من ثَمَّ بأسيادهم الجدد لإغاثتهم بعد أزمنة مفزعة، وبالحنين إلى الأمن، تكاد هذه الجماهير الغفيرة أن تتسَبَّبَ في حالةٍ من السيولة الچيوستراتيجيّة غير المسبوقة، ومن الانفلاش الأمنيّ المعولم، فيجعلوا من هؤلاء أشباه آلهة.


هل نحن على مقربة من ظهور بعض من هؤلاء الأسياد المغيرين لكن غير الخيرين؟
بحالٍ من الأحوال، فإنّ ظهور القيصر، آخيل، النازيّ، الأخ الأكبر، شرطيَّ التاريخ، لن يكون مفأجاة لأبناء العصر، فقد سبقت أقلامٌ لكبار المفكّرين والمؤرّخين والفلاسفة، إلى التحذير من هذه الصنميّة الجديدة إن جاز التعبير، وفي مقدّمة المنذرين والمحذرين، المؤرّخ الألمانيّ أوزوالد شبنجلر، والبريطانيّ أرنولد توينبي، وعالم الاجتماع الأميركيّ بيتر سوروكين، والكاتب الإيرلنديّ الشهير جورج أورويل وغيرهم العشرات.


هل نحن على عتبات لحظات تاريخيّة مفصليّة مخيفة للغرب؟
غالب الظن أنها ليست موصولة بالغرب فحسب، بل يمتدّ أثرها إلى العالم المضطرب، القَلِق نهارًا والأَرِق ليلًا، حتّى ظهور فجر عالمٍ جديد أكثر توازنًا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط