لذة الدبلوماسية.. وعضاتها المزعجة

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

حالتي عاشت تجارب متنوعة تفرزها معيشة الدبلوماسيين أينما كانوا، يستذوقون إيجابياتها، ويرتاحون من عالمها، لا سيما في ما توفره هذه المعيشة من تنوّع في الثقافات، وتلوّن في التقاليد، وتباعد في العادات، وتبدلات في اللغات، لكنها، مع كل ذلك الثراء في المناخ ورغم طيب الأجواء، تظل دنيا الدبلوماسية مستمرة في حاجتها لتغطية ما تفقده، بسبب بعدها عن الوطن بكل تقاليده وتسهيلاته في متطلبات التعليم واللغة وآليات المعيشة، والقرب من الأسرة. والحقيقة أن العمل الدبلوماسي، وما يسعى إليه من تشابك في العلاقات بين الشعوب، وتقارب في المواقف بين الدول، وتعاظم في حجم المصالح، وتعميق في آليات الترابط، تعبّر عن مسؤوليات يسعى الدبلوماسي للوصول إليها، تتطلب جهداً متواصلاً -يتميز برقة التعبير، وجمال الطرح، ووضوح الأهداف، وحجم نصيب دولة الاستقبال من هذا المسعى.
قضيت فصلاً طويلاً في الأمم المتحدة، بمسؤوليات مختلفة عن واجبات الدبلوماسيين العاملين في السفارات، فالمسؤولية في الأمم المتحدة تختلف تماماً، كانت مسؤوليتي نقل صوت الكويت، والتعبير عن سياستها، وتوضيح الإستراتيجية التي تلتزم بها الكويت لتحقيق الأهداف، التي تسعى إليها الأمم المتحدة من أجل تحقيق السلام الدائم والعادل والشامل، بينما ينشغل زملائي في سفارات الكويت المختلفة لبناء علاقات ثنائية بين الكويت والدولة التي توجد فيها سفارة كويتية، تغطي جميع المسارات، تنسيق سياسي، والتزام دبلوماسي، واتساع في التجارة، وانتشار في الاستثمار، وتفاهم ثقافي واجتماعي ورياضي، يحقق الترابط بين الكويت والدولة المضيفة. كانت أهداف الدبلوماسية الكويتية تأكيد الشراكة في التفاهم السياسي، والمساهمة في مسار التنمية، والمشاركة في تعميق الأمن والسلام العالميين، هذه أهداف يريدها الجميع، وتساهم في تحقيقها الأغلبية، وتتبرع لها الأقلية، والكويت تبرز في لائحتها.

كان سفير الكويت في واشنطن يحمل مسؤولية تختلف عن مهمتي، ففي سعيه لتعميق العلاقات، وتأمين سلامة المصالح المشتركة، بينما يعتمد السفير في الأمم المتحدة على نظافة المسار الدبلوماسي لدولة الكويت، فجوهره الالتزام بالمبادئ، التي يدعو إليها ميثاق الأمم المتحدة، حيث مرّت العلاقات بين الكويت والأمم المتحدة في مرحلتين، إذ بدأت المرحلة الأولى مع انضمام الكويت الى الأمم المتحدة عام 1963، واستمرت الى عام 1990، عام الغزو العراقي الذي غيّر نهج الكويت من عضو مساهم إيجابياً واثقاً من الجميع، لاسيما من الجوار العربي، ولأن سلوكها رائع، ويحترم الجميع، فقد استفاد صدام حسين من كل ذلك ليغزو الكويت.

ومن تلك المأساة تبدلت الكويت، غابت البراءة الملائكية، وفطنت الكويت للحقيقة بأن العالم لا يخلو من الوحوش، جاءت تلك الفطنة من مذاق الألم، ومن انكشاف توحش الجوار.

قضيت في نيويورك عشر سنوات، درس ابني وابنتي في مدارسها، واستمرا في الدراسة العليا في جامعات أمريكية، وتخرج الاثنان، واختار ابني المعيشة في لندن، وفوق ذلك تزوّج من فتاة من السويد، وأنجب بنتين، وأخيراً بدأ يفكّر بالانتقال إلى بلد عربي، ليعيش فيه مع أسرته، واختار سلطنة عُمان، التي تردد عليها وأستحسن التعليم فيها، بينما البنت تعيش بين نيويورك والكويت، ولم يتخلّص الاثنان من طغيان الثقافة الأوروبية والأمريكية.

نلتقي في لندن، وأحياناً في الكويت، مع أمل أن ينتقل ابني معتز إلى سلطنة عُمان مع أسرته، وتظل رشا ابنتي، متنقلة بين نيويورك والكويت، حيث اعتادت المسار المتعب، ورغم صغر العائلة فإن اللقاء الجماعي نادراً ما يتحقق، ولا شك بأن سبب وجود هذه الحالة المتعبة يعود إلى أسلوب الحياة، الذي يعيشه الدبلوماسيون، ليس من الكويت وحدها، وإنما حالة تجمع كل الدبلوماسيين في العالم، وتفرض عليهم عبء التنقل، وتحمّلهم أثقال تعليم الأولاد، وتبدلات نظام التعليم بين مختلف الدول، والسبب يعود إلى حياة الدبلوماسي المتنقلة بين مختلف المسارات والثقافات.

ومن إحراجات هذا الوضع السيئ أن ولدي يجيد اللهجة الكويتية، لكنه لا يحسن قراءة النصوص، بينما استفادت ابنتي من عملها في أحد البنوك الكويتية، وأكثر ما يزعجني أنهما غريبان لا علاقة لهما بالثقافة العربية، ولم يتحمّسا للاقتراب من اللغة، ولا يعرفان شيئاً عن الشعر العربي والكويتي، وظلا مستمرين في متابعة ما يجري في أمريكا.

لنا الآن أمل بأن ابني معتز يريد السكن في سلطنة عُمان، ومعه عائلته وابنتاه، وقد تفتح له الحماسة ليجتهد أكثر تجاه التراث العربي وقراءة التاريخ من كتب عربية.

هذا المقال يحمل هموم من عاش طويلاً في الدبلوماسية ومتاعبها، ويتطرق إلى عضاتها المؤلمة، التي تمثلت في الواقع الحالي، الذي نعيشه نحن الأب والأم في الكويت، بينما الولد في لندن والبنت في نيويورك. وأسأل بكل تعاطف مع إخوتي من الدبلوماسين، الذين تعاظمت أعدادهم، وتحسّنت امتيازاتهم، وظلوا يعانون من حياة التنقل التي يعيشها الدبلوماسي الكويتي. وبكل وضوح فإن نصيبي من عدد الأولاد جاء بقرار اتخذته في ضوء الحقيقة الشائكة والمعروفة عن حياة الدبلوماسيين.

أسجّل هذا الواقع، وأنا لا ألوم أحداً سوى اختياري لحياة لا تتمتع بكثرة الأبناء، ولا تراعي حساسيات الأُسر، وتفرض قيوداً على الذين يتطوعون للالتحاق بها، ورغم وضوح الاثقال التي ترافق مسيرتها، فإنها تجد الكثيرين من الشباب، الذين يرون في احتمالات نقلهم إلى حياة الأبهة الدبلوماسية، التي ترافق الانضمام إلى السلك الدبلوماسي. والحقيقة أن أصحاب الخبرة الذين عاشوا في مناخ الدبلوماسية المتعب لا يعرضون تجاربهم بمنظار سلبي سيئ، وإنما الكل يتحدّث عن بهجة المناخ الدبلوماسي، وعن أناقة المعيشة، وذرابة المجتمع الدبلوماسي، وعلو وطنيته، وازدهار مستقبله، ممثلاً لصاحب الجلالة الملك، أو الزعيم المعروف، أو الأمير العادل، والكل يحسده، وينتظر التعرّف عليه.

هذه ليست خرافة، وإنما الحقيقة أن العمل الدبلوماسي مرهق، وخطورته في غياب الاطمئنان، ليس فقط حول مستقبل الأولاد، وإنما عن صمود الأُسرة وثباتها في الأماكن الصعبة، والانقطاع عن الأهل، وبرود المشاعر، ومشقة الانتقال.

هذه نبذة حقيقية تصف حياة الدبلوماسيين، أوجزتها من خبرة شخصية، ومن معايشة مع مجموعات من مختلف الثقافات، وأكثرهم موجودون داخل مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، في انتظار التقاعد.

عبدالله بشارة

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.