بنغلاديش تخاطر بسياسة المحاور
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
منذ تأسيس دولة بنغلاديش المستقلة في عام 1971 وهي تعيش معضلة المفاضلة بين جارتيها الكبيرتين المتنافستين، الهند والصين. وكان للتقلبات السياسية في دكا وتغير الأحزاب الحاكمة فيها تأثير واضح على اتجاه بوصلة البلاد نحو إحدى الجارتين على حساب الجارة الأخرى.
وقد تجلى ذلك بوضوح في التنافس الطويل والمرير على السلطة بين الأرملتين الغريمتين حسينة واجد وخالدة ضياء. فبقدر ما كانت بنغلاديش تقترب من الهند وتبتعد عن الصين (مع بعض الاستثناءات) في ظل حكومات الشيخة حسينة، كان يحدث العكس في زمن حكومات خالدة ضياء (والدة رئيس الوزراء الحالي طارق ضياء الرحمن).
وعليه فإن قيام طارق رحمن أخيراً بزيارة لمدة أربعة أيام إلى بكين، هي الأولى له خارج بلده منذ تسلمه رئاسة الحكومة البنغلادديشية، خلفاً للرئيس الانتقالي البروفسور محمد يونس، ليس بالأمر الغريب.
ويمكن وضعه في سياق ما هو معروف عن الحزب الوطني البنغلاديشي الحاكم من تفضيل للصين على الهند، خصوصاً في ظل ما يعتري العلاقات الهندية البنغلاديشية اليوم من توترات بسبب احتضان نيودلهي لزعيمة بنغلاديش السابقة الشيخة حسينة واجد، منذ خلعها في انتفاضة شعبية في عام 2024.
إن بنغلاديش تخاطر كثيراً بانتهاج سياسة المحاور، والمراهنة على الصين من أجل إغاظة الهند. فمهما كانت الإغراءات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي وعد بها قادة بكين نظراءهم الجدد في دكا، ترغيباً وتشجيعاً على الارتماء في أحضانهم، فإن الهند تبقى هي الجارة الأقرب جغرافياً وتاريخياً وثقافياً واجتماعياً، بل صاحبة الفضل الأول والدور الحاسم في تمكين البنغلاديشيين من تأسيس دولتهم المستقلة قبل 55 عاماً.
هذا في الوقت الذي كانت فيه الصين معارضة لانفصالها عن باكستان، بل استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي في أغسطس 1972 ضد قرار قبول بنغلاديش عضواً في الأمم المتحدة.
وبسبب الدور الهندي في قيام بنغلاديش، شهدت العلاقات بين دكا ونيودلهي عقوداً طويلة متقطعة من التعاون الوثيق في المجالات الدبلوماسية والثقافية والأمنية والاقتصادية، وفي حقول مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والطاقة والزراعة. وفي الوقت نفسه قامت الصين بتعزيز حضورها الاستراتيجي والاقتصادي في بنغلاديش تدريجياً، لتصبح اليوم شريكها التجاري الأكبر بحوالي 18 مليار دولار أمريكي سنوياً.
كما قامت باستثمارات كثيفة بمليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية، ولا سيما الموانئ والطرق والجسور، وعقد صفقات دفاعية لبناء مصنع للمسيرات بالقرب من الحدود الهندية والتدريب العسكري والإنتاج الدفاعي.
وإذا ما نظرنا إلى نتائج القمة الصينية البنغلاديشية الأخيرة التي عقدت في أواخر يونيو المنصرم، نجد أن الملف الاقتصادي كان طاغياً، بدليل توقيع حزمة من الاتفاقيات شملت مجالات التجارة والتكنولوجيا الخضراء، ومشاريع البنية التحتية، وتحديداً تحريك مبادرة متعثرة منذ مدة طويلة ومثيرة للجدل حول ترميم نهر تيستا المرعب (بسبب فيضاناته المدمرة) وإدارته بمعزل عن الهند.
ويبدو أن مطالب بنغلاديش من الصين تمحورت حول حصولها على دعم مالي بمليارات الدولارات لمواجهة ما يعانيه اقتصادها من خلل وضعف، وضخ المزيد من الاستثمارات الصينية لخلق فرص عمل واسعة في بنغلاديش وبالتالي تخفيض معدلات البطالة. أما مطالب الصين فقد كانت طِبقاً للأخبار المسربة قيام دكا بتأكيد دعمها لسياسة «الصين الواحدة»، وانخراطها بشكل أوسع في مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، ولا سيما إطارها الأمني، وهو الإطار الذي تبدو دكا متخوفة منه بسبب حساسيات إقليمية.
في اعتقادنا واعتقاد العديد من المراقبين أنه من الأفضل والأجدى لحكومة طارق رحمن، وهي تدشن لعهد جديد، أن تعتمد سياسة التوازن والحياد البراغماتي في تعاملها مع جارتيها الكبيرتين المتنافستين على النفوذ في الإقليم.
، لأنها ببساطة شديدة لا تستطيع إغفال مكانة ونفوذ الهند السياسي والتاريخي العميق في بنغلاديش، ولا تستطيع في الوقت نفسه إغضاب الصين المتغلغلة اقتصادياً وتجارياً وتنموياً فيها، بل التي صارت أيضاً مصدراً لتسليح جيشها.
حيث بإمكان دكا أن تنخرط في تعاون تنموي مع بكين لأن مثل هذا التعاون بعكس التعاون الأمني والدفاعي لا ينطوي على تبعات استراتيجية، ولأنه يحقق، من جانب آخر، تطلعات البلاد لجهة الاستفادة من قدرات الصين الرائدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة الخضراء وأشباه الموصلات والمركبات الكهربائية.
وبعبارة أخرى يمكن لبنغلاديش الجديدة أن تتخذ من النموذج الفيتنامي مثالاً لكيفية التصرف مع طرفين كبيرين متنافسين. ففيتنام تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه عملت على تعزيز علاقاتها وروابطها الاقتصادية والاستثمارية مع بكين.
أما كيف نجحت هانوي في تحقيق هذه المعادلة الصعبة، فإن الجواب هو بالمرونة، وحسم الأمور دون إبطاء، واستخدام آليات تنفيذ فعالة وجذابة، وإشعار الآخر بأنه يتعامل مع بلد يقدر الدعم الخارجي ويستطيع استيعابه والاستفادة منه بأفضل الطرق.
نقلاً عن "البيان"