كسبنا برغم الهزيمة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كسبنا برغم الهزيمة، من الممكن أن تعتبروها جملة غريبة، فعندما تفوز الأرجنتين فى آخر ربع ساعة من الشوط الثانى، وتحرز هدف الفوز فى الوقت بدل الضائع، فبالطبع يمثل هذا إحباطاً شديداً للجمهور المصرى، لكن هناك زاوية رؤية أخرى، وهى أننا قد كسبنا الكثير بعد تلك المباراة.
كسبنا مصطفى شوبير وهيثم حسن، «شوبير» حارس المرمى الشاب الذى سيكمل معنا إن شاء الله إلى المونديال القادم، وأول حارس مصرى صد ضربتى جزاء فى مونديال، بعيداً عن ضربات الترجيح، ومن القلائل العالميين الذين فعلوها فى المجموعات وقبل الصعود، اختاروه أفضل حارس فى مباراة الأرجنتين، فضلاً عن تصديه لضربة الجزاء، صد «شوبير» ثلاثة أهداف محققة، مرونة جسدية، وحسن توقع، وروح عالية، وثبات، أليس هذا مكسباً؟.
وهيثم حسن كسبنا معه شيئاً مهماً، وهو أن أبناء المصريين فى الخارج، من حاملى الجنسيات الأجنبية، هم كنز مدفون، وثروة موازية، لا بد من التنقيب عنهم، والسعى إليهم بكل همة ونشاط وإصرار، ولنا فى المغرب أسوة حسنة، يكفى أن «هيثم» فى آخر مباراتين، سحب الفريق كالقاطرة من ناحية اليمين، وكان أيقونة النجاح فيهما، وأرجو أن يشاهد القراء ويراجعوا الهدف الملغى فى مباراة الأرجنتين، وكيف تلاعب «هيثم» بأفضل فريق فى العالم، وبكل سلاسة، وكأنه رونالدنيو، أليس هذا مكسباً؟.
كسبنا أيضاً القدرة على التخطيط العلمى والوصول باللياقة البدنية لمستويات غير مسبوقة، خططنا من خلال محلل أداء ذكى، ومن خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة ومتابعتها، مثلما حدث فى تحليل ضربات الجزاء فى مباراة أستراليا، أليس هذا مكسباً؟.
كسبنا عدم الرهبة أمام الكبار، كنا نداً للأرجنتين بطل المونديال السابق 2022، والحاصل على الكأس ثلاث مرات، بل كنا متفوقين فى معظم لحظات المباراة، حتى الدقيقة 80، لم نعد ننزل إلى أرض الملعب من أجل التمثيل المشرف، خاصمنا الذعر والرهبة والخوف والتخاذل، أليس هذا مكسباً؟، كسبنا القدرة على الحلم والتحليق، لاعبين وجمهوراً، رفعنا سقف الطموح، أليس هذا مكسباً؟.
كسبنا رفع تصنيفنا العالمى، لم نعد من الفرق الغلبانة، التى يشفق عليها الفريق المنافس، ويهزمها خمسة وستة مع الرأفة، صرنا فريقاً مشاكساً وعنيداً، يُعمل له ألف حساب، فريق يبكى «ميسى» فرحاً عند الانتصار عليه، من المشقة التى عاناها هو وفريقه من أجل العبور إلى دور الثمانية، أليس هذا مكسباً؟.
كسبنا فريقاً جماعياً اقتبس من روح الكابتن محمد صلاح، الطموح إلى العالمية، هناك أسماء كانت غير معروفة إلا فى النطاق المحلى، بل فى نطاق المشجعين فقط، كسبناهم نجوماً، محمود صابر، مهند لاشين، مروان عطية، حمدى فتحى، وغيرهم من النجوم، التى جعلتنى، وأنا الذى نسيت التشجيع منذ ربع قرن، أعود إليه، وبمنتهى الحماس، ومثلى كثيرون، أليس هذا مكسباً؟.
كسبنا كيفية التعامل النفسى حتى مع من أخطأ عن غير قصد، وحادثة محمد هانى خير دليل على ذلك، فقد اتهم بأنه السبب فى دخول هدفين فى مرمانا، لكن التعامل النفسى الذكى، والاستيعاب، والمرونة، وعدم السماح بالتنمر، حتى دخل «هانى» إلى جو المباراة بنفس الروح القتالية السابقة، وكان من أفضل المدافعين، أليس هذا مكسباً؟.
تلك المكاسب وغيرها هى الحصيلة التى تساوى أهدافاً ثمينة وغالية، فالأهداف ليست فى المرمى فقط، ولكنها أيضاً فى الروح، أن تهزم الفشل وتحرز فيه هدفاً، أن تهزم الخوف وتحرز فى مرماه هدفاً، ألا تقزم نفسك، أن تثق فى الغد، ولا تنظر تحت قدميك، وتفكر فى صناعة المستقبل، حتى ولو تعثرت.
نقلاً عن الوطن