أوبك ما بعد هرمز

أسامة سرايا
أسامة سرايا
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

لم تعد معركة النفط تدور حول من يملك أكبر الاحتياطيات، بل من يضمن وصولها إلى الأسواق فى الوقت المناسب وبأقل كلفة، وهذه هى الرسالة الأبرز التى حملتها أزمة مضيق هرمز، بعدما كشفت أن أمن الطاقة لم يعد مرهوناً بالإنتاج وحده، وإنما بالممرات البحرية، والمخزونات الاستراتيجية، والبنية اللوجستية، والتحالفات السياسية، وفى ظل هذا التحول، يصبح السؤال عن مستقبل «أوبك» أكثر إلحاحاً من أى وقت مضى. طوال تاريخها، قامت فلسفة «أوبك» على مبدأ: موازنة الإنتاج للحفاظ على استقرار الأسعار، وقد نجح هذا النموذج فى التعامل مع الحروب والركود والأزمات المالية؛ لأن المشكلة كانت غالباً تتعلق بكمية النفط المطروحة فى الأسواق.

أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الأزمة؛ فالخطر يكمن فى تعطيل وصول النفط إلى الأسواق، وهو ما جعل تأثير الجغرافيا السياسية يتقدم على قرارات الإنتاج. لهذا، لم تعد أزمة هرمز تتعلق بحجم الإمدادات؛ فالأسواق باتت تخشى تعطل سلاسل النقل، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط، ومع كل أزمة، تزداد أهمية الدول التى تمتلك بدائل لوجستية، ومخزونات استراتيجية، وشبكات توزيع مرنة.

كما أصبحت الطاقة عنصراً رئيسياً فى المنافسة الدولية؛ فالولايات المتحدة تنظر إليها باعتبارها دعامة للتفوق الاقتصادى والتكنولوجى، فى ظل احتياجات الذكاء الاصطناعى، ومراكز البيانات، والصناعات الرقمية إلى طاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة. وفى المقابل، تتجه الصين واقتصادات كبرى أخرى إلى تنويع مصادر الطاقة، والتوسع فى الطاقة المتجددة، وتعزيز الإنتاج المحلى، وبناء احتياطيات استراتيجية، بعدما أثبتت أزمة هرمز أن الاعتماد على مصدر واحد يمثل مخاطرة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

هذه التحولات تفرض على تحالف «أوبك+» إعادة النظر فى دورها؛ فالمطلوب إدارة منظومة الطاقة عبر تطوير آليات التعامل مع الصادرات، وتعزيز التخزين الإستراتيجى، والتوسع فى التعاون بالتكرير والخدمات اللوجستية، وبناء شراكات أعمق مع الأسواق المستهلكة. باختصار، إن مرحلة ما بعد «هرمز» لن تشبه ما قبلها؛ فمستقبل «أوبك+» سيتحدد بقدرتها على التكيف مع نظام طاقة عالمى أصبحت فيه مرونة الإمدادات وأمنها لا يقلان أهمية عن حجم الإنتاج، وأصبحت فيه الجغرافيا السياسية شريكاً دائماً فى رسم مستقبل أسواق الطاقة العالمية، وتوازنات الاقتصاد الدولى.

نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.