المديرية العشرون ومعارك آسيا الخفية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
وفيما الجميع منشغلٌ في الحرب الروسيّة–الأوكرانيّة الظاهرة على السطح، تدور في الشرق الآسيويّ رَحى حربٍ من نوعٍ آخر، حرب عقول وبشر، من أجل ضمان استمرار لهيب الحرب الطافية على السطح.
قبل بضعة أيّام لفتت صحيفة النيويورك تايمز إلى حدثٍ مثير، يتمثّل في صراع الجواسيس العائد لينفلش بقوّة مرّة جديدة حول العالم، وقد كان الظنّ أنّ الروس والصينيّين هم الذين يتجسّسون على أوروبّا وأميركا فحسب، قبل أن يفاجأ العالم بأنّ موسكو وبكين، تقومان بعمليّات جاسوسيّة واسعة في شرق آسيا، وبعضها يستهدف دول آسيويّة من حيث الجغرافيا، ولكن غربيّة من حيث الهوى والتبعيّة، ونقصد هنا بدون شكّ اليابان، الضلع الثالث من أضلاع مثلّث الرأسماليّة الأمميّة الأشهر.
من أين تبدأ القصّة؟ وما دلالاتها ومآلاتها؟
يقول الراوي إنّ الروس وبعد نحو عامين من الحرب، وبالتحديد في فبراير/ شباط من عام 2024، وجدوا أنفسهم في حاجةٍ شديدة لقطع غيار ومكوّنات تقنيّة متقدّمة لصواريخهم، بعد أن رسخ لديهم أنّهم يواجهون حروبًا متقدّمة بأدوات تقليديّة.
أدركت القيادة العسكريّة الروسيّة أنّ المدافع التقليديّة على أهمّيّتها وتاريخها في الحروب الروسيّة القديمة، لا سِيّما معركة ستاليتغراد، والتي قصمت ظهر النظام النازيّ خلال الحرب العالميّة الثانية، لم تَعُد صالحةً في مواجهة الطائرات المسيرة، القادرة على اختراق العمق الروسيّ، بل وتدمير الكثير من القاذفات الروسيّة الرابضة في مطاراتها، وهو ما حدث بالفعل، وكَبَّدَ الروس خسائر فادحة.
كان لا بدّ للعسكريّة الروسيّة من الحصول على التكنولوجيا المتقدّمة اللازمة لاستمرار صناعاتها العسكرية، ولأنّ تلك القطع لا توجد في الصين، ومع الشكّ في أنّ بكين يمكن أن تقدّم طواعيةً ما لديها، ومن غير أكلاف عالية وغالية، يتوجّب دفعها، تلفّتت موسكو من حولها، فوجدت أنّ أفضل موقع وموضع، وأيسر طريق لتلك المكونات يتمثّل في اليابان.
بدت طوكيو خيارًا نموذجيًّا في أعين أحفاد ال: KGB، ولهذا نسجوا خطوطهم، ونَسَّقوا خيوطهم بمهارةٍ بالغة من أجل تهريب ما يتطلّعون إليه من قلب الصناعات اليابانيّة المتقدّمة حكمًا على صعيد التقنيّات الحديثة.
أمّا الأمر الآخر الذي يجعل تقنيّات اليابان محبوبةً ومرغوبة، هو شراكتها مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، الحامي والمدافع العسكريّ الأوّل عن الأراضي اليابانيّة، وبذلك تطال أياديهم ما يعجزوا عن أن يصلوا إليه في الداخل الأميركيّ، وبالضدّ من الصين التي اخترقت معظم المؤسّسات الصناعيّة العسكريّة الأميركيّة منذ عقود طوال.
عبر جهاز استخبارات روسيّ سرّيّ، أو بمعنى أدقّ وحدة استخباريّة خاصّة يُطلَق عليها "المديرية العشرون"، والتابعة للاستخبارات العسكريّة الروسيّةGRU ، وهي وحدة لم يكشف عنها من قبلُ، حصل الروس على مرامهم.
من خلال ضبّاط المديريّة الذين يعملون تحت غطاءٍ تجاريّ أو دبلوماسيٍّ، وتحت ستار شركة "إير فلوت" الروسيّة تحديدًا، كان هؤلاء يمهرون في شراء وربّما سرقة ما يريدون من تقنيّات حسّاسة وتهريبها إلى روسيا لدعم مجهودها الحربيّ ومواصلة القتال ضدّ الأوكرانيّين.
أحد الأسئلة التي تستوقف أيّ باحثٍ محقّق ومدقّق في عالم الاستخبارات: "كيف عرف اليابانيّون بأنّ الروس يقومون باختراقهم على هذا النحو؟"
هنا تظهر بعضٌ من جوانب المعركة الاستخباريّة الخفيّة، حيث لا تواجه روسيا استخبارات الأوكرانيّين فحسب، بل طيفًا من استخبارات أوروبا الدفاعيّة العسكريّة، ونظيرهم من الاستخبارات الأميركيّة.
هنا يبدو من الواضح للغاية أنّ هؤلاء وأولئك، قد وجدوا في بقايا الصواريخ التي تقصف كييف وبقيّة المدن الأوكرانيّة، مكوّنات يابانيّة، وغالب الظنّ أنّه ما كان من اليسير من دونها الوصول إلى أهدافها.
هل اليابان دولةٌ ضعيفة ومخترَقة إلى هذا الحدّ؟
بالطبع ليست ضعيفةً، إذ إنّ لديها الكثير جدًّا من الصناعات المتقدّمة تكنولوجيًّا على كافّة الأصعدة، كما أنّ لديها حضورًا عسكريًّا قويًّا، عطفًا على الوجود الأميركيّ المسلَّح في أراضيها، ما يجعل منها قوّةً حاضرة على الصعيد الآسيويّ.
لكنّ المفارقةَ تكمن في حالة الازدواجيّة التي تعيشها اليابان، والمتمثّلة في الضعف الكبير الذي يشملها على الصعيد الاستخباريّ.
يطلق على الأراضي اليابانيّة بأنّها "جنّة الجواسيس"، وهو مصطلحٌ له خلفيّة تاريخيّة ولوجستيّة، ذلك أنّ القيود التي فرضها المنتصرون على اليابانيّين وفي مقدّمهم الأميركيين بعد استسلام اليابان، حظر على اليابان أن تمتلك جهاز استخبارات سواء داخليًّا أو خارجيًّا، ما جعل قدراتها في هذا السياق شبه معدَمة بالمرّة، الأمر الذي سَهَّلَ مهامَّ الاستخبارات العسكريّة الروسيّة بشكلٍ كبير.
ثماني مذاكرات رفعها الأوكرانيّون إلى اليابانيّين، تفيد بأن هناك من يقوم بسرقة وتهريب لوحات الدوائر، وأجهزة الإرسال، وأشباه الموصلات، والرقائق المعدنيّة.
كانت المذكّرات تحتوي على قوائم بعينها، لما وصل إلى أيدي الروس.
المفاجأة هي أنّ اليابانيّين أنكروا تمامًا أن تكون هذه القطع قد خرجت من مطاراتهم أو موانئهم، حيث تلتزم طوكيو بالعقوبات الغربيّة الموقَّعة على روسيا منذ الاستيلاء على شبه جزيرة القرم.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّه لا يمكن عقلًا أو عدلًا تصوّر مساعدة اليابانيّين للروس بأيّ نحوٍ، فاليابان لديها خلافات معمَّقة مع الروس حول عددٍ من الجزر، كما أنّ هناك ثأرات لحروب تاريخيّة بين الجانبَيْن تتجاوز المائة عام، والقاصي والداني، يكاد يتوقّع حربًا بين الجانبين.. ماذا حدث إذن؟
هنا ينبغي علينا العودةُ إلى فعاليّات "المديرية العشرين" وكيف كانت هي المنسّق الرئيس لتهريب تلك القطع العسكريّة الثمينة، من قلب اليابان إلى روسيا، وذلك عبر شبكةٍ معقّدة من الشركات التي تمثّل مخطَّطًا لوجستيًّا للتجارة مع بقيّة دول آسيا، لا سِيَّما سريلانكا وأوزبكستان وفيتنام، والأخيرة هذه تُعَدُّ نقطة التقاء شهيرة في العالم الآسيويّ لشبكات التهريب الدوليّة، وأكبر وجهةٍ للتكنولوجيا الحسّاسة اليابانيّة، وهي بدورها أكبر مصدرٍ للتكنولوجيا الحسّاسة إلى روسيا، وغالبًا ما تقوم شركة الطيران الروسية المعروفة "آيرفلوت" بدور الوسيط.
لا تبدو قصّة الجواسيس الروس في اليابان، قصّة مجرّدة كبقيّة روايات الجاسوسيّة المعروفة، ذلك أنّه من المؤكَّد أنّها ستترك بصمةً كبيرة على مستقبل اليابان في قادم الأيّام.
على أنّه قبل الدخول في عمق التغيُّرات التي ستجري في البنية الأمنيّة اليابانيّة، يجدر بنا القطع بأنّه ليس روسيا فحسب من يسعى إلى الحصول على التكنولوجيا اليابانيّة المتقدّمة، ولا على أثر من نظيرتها الأميركيّة المتواجدة على أراضيها وبخاصّة العسكريّة، فالصين تعمل بقوّةٍ أكثر، ومقدرة أشدّ، وهي صاحبة المعركة الأطول عمرًا مع الولايات المتّحدة الحليف الأقرب والأكبر لليابان.
في هذا السياق، تبدو رئيسة وزراء اليابان الحاليّة "سناء تاكا يتشي" دافعًا محرّكًا في طريق بلورة جهاز استخبارات يابانيّ قويّ على الصعيدَيْن الداخليّ والخارجيّ.
لكنَّ هذا النهج لا يرضي الكثيرين ممّن يعتبرونه أمرًا معارضًا للمُثل السلميّة لليابان، وفي الخلفيّة التاريخيّة ذكريات من اليابان الإمبراطوريّة وجهاز الشرطة والاستخبارات الاستبداديَّيْن في عهد الإمبراطور هيرهيتو، والدولة البوليسيّة التي كانت حاضرةً في ذلك الوقت.
هل هي متلازمة "ستوكهولم سندروم" الحاكمة للعقليّة اليابانيّة؟ أم أنّه حان الوقت ليتحرَّرَ اليابانيّون من أثر هزيمة تجاوزت ثمانية عقود؟
ربّما الإجاباتُ مرهونةٌ بصحوة اليابان التي لا تزال جنّةً للجواسيس وبخاصّة الروس والصينيّين، وهل ستعود بعضًا من سيرتها الأولى أم لا؟