الحرب الأوكرانية والتفكير الرشيد

السفير محمد بدر الدين زايد
السفير محمد بدر الدين زايد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

تشهد الحرب الروسية الأوكرانية مزيدا من التصعيد فى الفترة الأخيرة بالرغم من مواصلة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تصريحاته حول قرب التوصل إلى وقف الحرب وتسوية سلمية لها، وبالرغم أيضا من نفى طرفى الصراع الرئيسيين روسيا وأوكرانيا لما يدلى به ترامب من تصريحات.

ويواصل الجانب الأوروبى الغربى التصعيد والدعم المتزايد لأوكرانيا عسكريا واقتصاديا وسياسيا والتباعد المتزايد أيضا عن روسيا التى أيدت مؤخرا موقفها بعدم مشاركة أوروبا الغربية فى أى تسويات تشرف عليها واشنطن.

ولقد تناولت كثيرا من أبعاد هذه الحرب على مدى سنواتها وعلى رأسها تكريس مفاهيم النزعات الإمبراطورية التى فاضت فى تصريحات الرئيس بوتين، ثم جاء الرئيس الأمريكى ليتحدث بها بشكل ربما أكثر صراحة ويتجاوز الإطار الجغرافى الإقليمى الذى عبرت عنه موسكو إلى تكريس توسع وهيمنة أمريكية تمتد من قناة بنما غربا إلى جزيرة جرينلاند وكندا شمالا ومؤخرا إلى خليج هرمز، لنرى ملامح عالم يختلف عن مظاهر العالم الذى عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية ونشأة نظام الأمم المتحدة، الآن نحن نعود إلى عالم يسجل انهيارا متصاعدا لمفاهيم القانون الدولى ويعود بالبشرية لعهود الإمبراطوريات وهيمنة الأقوياء.


على أن الأخطر كذلك من النزعات الإمبراطورية - والتى ربما يمكن التصدى لها ومقاومة موجتها العالية الراهنة هو فى تقديرى التراجع الملحوظ لقواعد التفكير الرشيد، وهو تراجع نراه فى كثير من حالات الصراع الدولى الراهنة وتكشف عنها بشكل خاص حرب أوكرانيا وحرب إيران الراهنة.

لا يتوقف الرئيس ترامب منذ بدء هذه الحرب عن ادعاء أنه كان يستطيع إيقاف هذه الحرب المنفلتة قبل وقوعها، وفى الحقيقة أن هذا الادعاء من الأشياء القليلة وربما الوحيدة التى أتفق فيها معه.

أعتقد أنه لو كان قد قامت بعض الأطراف الغربية وليست فقط واشنطن باحتواء مبررات نشوب الحرب لكانت كل الأطراف قد حققت مصالح ونتائج أفضل بكثير سواء لطرفى الحرب المباشرين أو الأطراف الداعمة لكل معسكر، وإن كنت أستثنى من ذلك الصين التى لازالت من أكثر المستفيدين من هذه الحرب.

هنا قد نجد من يردد أن المعسكر أو التحالف الغربى قد استفاد من هذه الحرب باستعادة تماسكه، وهو ما نجحت فيه إدارة بايدن فعليا، ولكن هذا الرأى يتجاهل أن الثمن كان باهظا اقتصاديا حتى للولايات المتحدة.

كما أن تحولات إدارة ترامب قد أدت فعليا إلى تراجع تماسك التحالف الغربى وأدخلته فى نفق غامض الملامح وأضعفت ثقة الحلفاء الغربيين جميعا فى مدى حكمة الاعتماد على المظلة الأمريكية فى الحماية. وهو ما يعنى أن ما قد تحقق من تماسك المعسكر الغربى قد تراجع، ولكن يبقى أن درس ترامب الموجع دفع دول الحلف لإعادة النظر فى خططها الدفاعية بما قد يحقق لها قدرات استقلالية أكبر فى المستقبل.


يواصل المعسكر الغربى وخاصة أوروبا الغربية دفع ثمنا باهظا اقتصاديا لتمويل استنزاف أوكرانيا لروسيا فى هذه الحرب، والحقيقة أن استنزاف روسيا هو أيضا استنزاف للشعب الأوكرانى بشريا واقتصاديا، وكذا لدول أوروبا الغربية اقتصاديا.

ومن المنظور الروسى فإن تحقق أهدافها من الحرب وفرض السيطرة على كل شرق أوكرانيا قد يتم إفراغه من مضمونه إذا خرجت روسيا من هذه الحرب وقد تعرضت لخسائر اقتصادية وعسكرية هائلة، وفى الحقيقة أن التاريخ يحدثنا عن حالات كثيرة لدول انتصرت فى معارك ولكنها تعرضت لنكسات سياسية تالية بسبب تكلفة هذه الحروب.

كما قد يتصور البعض أن أوكرانيا تدافع عن المنظومة الغربية الليبرالية وعن استقلال قرارها السياسى وحقها فى الانضمام للتحالف الغربى، والحقيقة أن هذا المنطق له حيثياته ولكن أيضا يجب النظر إليه من الأبعاد الأخرى، فمن أسس صنع السياسة الخارجية أهمية النظر لاعتبارات التاريخ والجغرافية السياسية، ومما لا شك فيه أن هناك مصالح مشتركة عديدة تجمع الشعبين الروسى والأوكرانى، وحتى لو كان هذا الجوار الجغرافى مصدر صراعات وحساسيات بين الجانبين - وهى ليست كذلك فى هذه الحالة مقارنة بكثير من حالات الجوار الأخرى، وكانت الحكمة تقتضى مواءمات ومبادرات إيجابية فهذه الاعتبارات الجغرافية لن تتغير بل هى من ثوابت السياسة الخارجية والقادة العظام الحقيقيين يدركون أهمية هذه الاعتبارات الجغرافية ولا يتجاهلونها بما ينقل مزيدا من التعقيدات للأجيال القادمة.

لو كانت هناك حكمة أوروبية فى المعسكر الغربى وفى المعسكر الروسى لكان نظر هذه الأطراف إلى المستقبل المشترك مغايرا لما يحدث، وفى الحقيقة أن كل ما يحدث يصب فى تكريس مصالح وقوة طرفين بالأساس الولايات المتحدة والصين، وكأن هذه الحرب تضيف المزيد من الاستنزاف البشرى والاقتصادى للقارة العجوز - التى ترسخ أنها العجوز الآن لصالح هذه القوى الأخرى.

كل ذلك دون أن نتطرق لخسائر الاقتصاد العالمى وأغلب دول العالم من جراء هذه الحرب وامتدادها الزمنى.

نعرف أن كثيرا من قرارات الدول والبشر لا تستند إلى التفكير الرشيد وإلا كان حال العالم غير ما نراه الآن، ولكن مخاطر هذا فى عالم أسلحة الدمار الشامل والتطور التقنى السريع والتغير المناخى تحتاج إلى وقفة تأمل لمنع مزيد من تدهور العالم.

نعرف أن كثيرا من قرارات الدول والبشر لا تستند إلى التفكير الرشيد وإلا كان حال العالم غير ما نراه الآن، ولكن مخاطر هذا فى عالم أسلحة الدمار الشامل والتطور التقنى السريع والتغير المناخى تحتاج إلى وقفة تأمل لمنع مزيد من تدهور العالم.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط