هل إيران دولة طبيعية؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في العقل السياسي الحديث، لم تعد الدولة تُعرَّف باعتبارها رسالة دينية أو حركة ثورية عابرة للحدود، وإنما بوصفها مؤسسة سياسية وقانونية غايتها الأولى حماية المجتمع، وصون السيادة، وتحقيق مصالح المواطنين. ومن هذا المنطلق، تُقاس قوة الدول بما توفره لشعوبها من أمن واستقرار وازدهار، لا بعدد الجبهات التي تديرها أو الصراعات التي تخوضها خارج حدودها.
ومن هنا برز مفهوم «الدولة الطبيعية»، أي الدولة التي تجعل المصلحة الوطنية معيارًا لسياستها الداخلية والخارجية، وتتعامل مع العالم بمنطق السياسة لا بمنطق الرسالة العقائدية. والمقصود بهذا المفهوم ليس دولة مثالية، وإنما دولة تتصرف وفق القواعد التي استقر عليها النظام الدولي الحديث، حيث تكون خدمة المواطن هي الغاية، وتكون أدوات القوة في خدمة الدولة، لا العكس.
ولعل هذا ما دفع هنري كيسنجر إلى القول إن على إيران أن تحسم خيارها: هل هي دولة أم قضية؟ أو كما رأى زبيغنيو بريجنسكي أن الإشكالية لا تكمن في قوة إيران، بل في طبيعة النظام الذي يحكمها. فالعالم يتعامل مع دول عديدة تمتلك أسلحة نووية دون أن ينظر إليها بوصفها مصدرًا دائمًا للقلق، لأن سلوكها تحكمه في النهاية اعتبارات المصلحة الوطنية. أما عندما تقترن القوة بمشروع أيديولوجي يتجاوز حدود الدولة، فإن حسابات السياسة التقليدية تصبح أكثر تعقيدًا، ويغدو السلوك السياسي أقل قابلية للتوقع. بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، اختارت إيران أن تربط هويتها السياسية بمشروع ثوري يتجاوز حدودها الوطنية، وأصبح مبدأ «تصدير الثورة» جزءًا من خطابها الرسمي وسياستها الإقليمية. ولم تعد السياسة الخارجية تُدار بمنطق الدولة القومية وحده، بل اختلطت فيها اعتبارات المصلحة الوطنية بالالتزام العقائدي، فتداخلت حدود الدولة مع حدود المشروع.
غير أن هذا النموذج لم يكن محل انتقاد من الخارج فحسب، بل أثار أيضًا نقاشًا واسعًا داخل إيران نفسها. ومن أبرز الأصوات في هذا السياق أستاذ العلوم السياسية الإيراني صادق زيباكلام، الذي دعا إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة، متسائلًا: ما الذي جناه المواطن الإيراني من إنفاق الموارد في صراعات خارج الحدود، بينما يعاني الداخل من التضخم، وتراجع العملة، والبطالة، والأزمات الاقتصادية؟
لم يكن زيباكلام يدعو إلى إضعاف إيران أو التخلي عن مصالحها، وإنما كان يطرح سؤالًا يتعلق بأولويات الدولة. ففي نظره، لا تُقاس قوة الدول بعدد الملفات الإقليمية التي تديرها، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد متين، وجامعات متقدمة، ومؤسسات كفؤة، ومستوى معيشة كريم لمواطنيها. فالدولة التي تُحمِّل نفسها أعباء مشروع أيديولوجي دائم قد تجد، مع مرور الوقت، أن كلفة هذا المشروع أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال. إن أهمية هذا الجدل تكمن في أنه يكشف أن الخلاف حول الدور الإيراني ليس مجرد خلاف بين إيران وجيرانها، بل هو نقاش داخلي أيضًا حول معنى الدولة ووظيفتها. فهل وُجدت الدولة لخدمة مواطنيها، أم لحمل مشروع يتجاوز حدودها؟ وهل تستمد شرعيتها من رفاهية شعبها، أم من اتساع نفوذها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل إيران وحدها، بل ستحدد إلى حد بعيد مستقبل الأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط.
د. محمد الوهيب
نقلاً عن "القبس"