روّاد النهضة العربية من «غير المسلمين»

عبدالله بن بجاد العتيبي
عبدالله بن بجاد العتيبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

منذ عهد الرسالة النبوية في الإسلام، نال أهل الكتاب حقوقهم كاملةً غيرَ منقوصةٍ، في العيش «أمةً» مع المؤمنين، وفي حماية حقوقهم، ورعاية مصالحهم، والاستفادة من خبراتهم الثقافية والمهنية. حدث هذا في العهد الراشدي والأموي والعباسي ومن تلاهم جميعاً في تاريخ المسلمين ودولهم المتعددة والمتتابعة.في الشؤون السياسية والعسكرية، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم خطةَ غزوة الخندق من سلمان الفارسي، حين روى له ما تصنع الفرسُ في معاركها. وفي القوانين الدولية والأعراف المرعية في العصر النبوي الكريم، قال للرسولين من الفرس: «لولا أن الرُّسل لا تقتل لقتلتكما»، في موافقةٍ للأعراف الدولية وقتها.
وكان عصر النهضة العربية خير شاهدٍ على هذا الاندماج والتكامل بين أفراد الأمة أو الدولة في الإسلام بكل أطيافهم وأديانهم ومذاهبهم. وبعيداً عن شوشرات وتطرفات اليسار والقومية والإسلاموية السياسية، فإن شواهد التاريخ الإسلامي ونماذج الدول العربية المعاصرة تنفي كلَّ ذلك الشذوذ والتحامل على غير المسلمين، الذي طرأ لاحقاً في قصة تستحق أن تُروى بتفاصيل تاريخية ومعاصرة لرصد فروقاتٍ مهمةٍ يدفع لها العلم وأدواته التحليلية.
ولنأخذ بعض الأمثلة على رموزٍ كانوا من روّاد النهضة العربية، وكانوا من غير المسلمين، من الدول العربية والأقليات العريقة في وجودها التاريخي القديم في منطقة الشرق الأوسط ودوله الإسلامية ودوله الحديثة والمعاصرة. ومن أولئك الروّاد أسماء من أمثال: بطرس البستاني، مؤلف «دائرة المعارف»، الكتاب الموسوعي المعروف، وغيره من الكتب المشابهة. وكذلك جورجي زيدان، صاحب المؤلفات الغزيرة في الثقافة العربية، وأحمد فارس الشدياق ومؤلفاته اللغوية الفذّة، وكذلك شبلي الشميّل، والإخوة تقلا، بشارة وسليم، وأديب إسحاق، ولويس عوض، وفارس خوري.. وهي نماذج من دون استقصاء تعبّر عن ظاهرةٍ ممتدةٍ في زمن النهضة العربية من أمثال هؤلاء الرموز ومَن تلاهم من بعد وهم كثُرٌ.
وقد كتب هؤلاء، وغيرهم كثيرٌ، في كافة مجالات النهضة العربية، في الموسوعات واللغة، وفي التاريخ والثقافة، وقادوا الرأي العام، والصحافة والإعلام، وكان لكثيرٍ منهم مؤلفاتٌ غزيرةٌ ومميزةٌ، ولا يمكن لأي أحدٍ، كائناً مَن كان، أن ينكر أدوارَهم الفاعلة والمؤثّرة ونجاحاتهم المبهرة.
لحظة فارقةٌ ومهمةٌ في تاريخنا الحديث، هي تلك اللحظة التي سعى فيها البعض للكتابة حول محاولات التشكيك في أهداف تلك الرموز، وإن جاء ذلك متأخراً بعد انتشار فكر حركات الإسلام السياسي وبداية توزيع الاتهامات مجاناً على خلق الله، وهو أمرٌ بدأ صغيراً في الأربعينيات وتطوّر مع سيطرة خطاب سيد قطب على جماعة «الإخوان» والتطرفات الشنيعة التي خرجت منه، سواء بالإرهاب المباشر، أم بالتصعيد ضد المخالفين، أياً كان مستوى اختلافهم. لهذا يجد المتابع في كثيرٍ من مؤلفات الكتَّاب المنتمين لتيار الإسلام السياسي تناقضاً في تناول أدوار رموز النهضة العربية من المسلمين وغيرهم، فبينما تجد بعضهم يدافع عن سيرة وتاريخ ومنجزات رفاعة رافع الطهطاوي، فإنك تجد اتفاقاً متأخراً على اتهامه والتقليل من شأنه والتحذير من آثاره، وتجد محمد عمارة يروي روايةً للتاريخ تختلف تماماً عما يرويه محمد قطب، هذا فضلاً عمن تلاهما من رموز وكتّاب ومنظّري حركات الإسلام السياسي.
المهم في نظري، هو كيف يمكن رصد لحظات الاختلاف بين هذه التيارات، متى بدأت بالتحديد؟ وأين أدت في الواقع؟ وبأي اتجاه تدفع في المستقبل؟ هذه أسئلة مهمةٌ، ولكنها تحتاج للإجابة عنها إلى التعمق في طروحات ذلك العهد وما تلاه إلى يومنا هذا، وكيف تفرّعت النقاشات والحوارات تعبيراً عن التيارات الجديدة والمدارس المختلفة.
وأخيراً، فإن خلق الأسئلة أهم من طرح الأجوبة، والاستمرار في التساؤل وإعادة النظر والقراءة والتحليل تعبّر عن المستقبل.

*كاتب سعودي

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط