الشراكة المنتجة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم يكن السيد علي الزيدي خيارا اطاريا محظا انما شكل خروجا على سائد جماعات الإسلام السياسي الذي قدم خلال19عاما من وجوده في السلطة اسوء أداء في تاريخ العراق الاجتماعي والسياسي حين أكد على الولاء دون الكفاءة في إدارة الدولة!.
لقد وصلت الدولة في المراحل السابقة الى “العقدة” على المستويات كافة ابرزها الفساد المقرف وهيمنة المليشيات على الشارع وسيطرة مافيات المشاريع الاقتصادية للأحزاب السياسية على الناتج القومي وغياب هيبة الدولة واستمرار نهج الهدم والتشظي ما ادخل التنسيقي في الإنذار بعد انتخابات مجلس النواب الاخيرة خصوصا بعد اتضاح خريطة التحالفات الطائفية والازمة الحادة التي عاشتها الساحة العراقية بعد التعثر في التوصل إلى اتفاق بشأن مرشح الكتلة الاكبر.
لولم تنتج حوارات اللحظة الاخيرة انفراجا وقدمت الزيدي رئيسا للوزراء لكان الوضع الداخلي أخذ منحى مختلفا ودخلت البلاد اجواء التصفيات السياسية الكبرى ليس اقلها استمرار التعطيل في ظل حكومة تصريف الاعمال وهي من حيث الأداء والصلاحيات والخيارات المتاحة أمام رئيس الوزراء المنتهية ولايته ستكون أقل من قدرة أمانة بغداد على تصريف مياه الصرف الصحي كلما مر شتاء قارص على بغداد!.
ان وجود الزيدي في الموقع الاول كشف ازمة الحكم المستعصية ودفع الأوضاع العراقية في الاهتمامات الامريكية الى الامام وخفض الى درجة صفرية القلق الدولي إزاء مايجري من حوادث دراماتيكية والاهم انه وضع نهاية لعهد “التنسيقي” كقاعدة للأكثرية العددية في اختيار الحكومة العراقية المقبلة !.
لقد ادرك الامريكيون ان الإطار التنسيقي لن يبني دولة على مقاس الدول المتحضرة والمنسجمة وان الشراكة الاستراتيجية التي يطمح اليها البيت الأبيض والحكومة العراقية لن تتحقق في ظل استمرار عيوب التاسيس الاول الذي رافق سقوط النظام السابق بعد 9 نيسان 2003 وان الفساد الذي دمر الدولة وعبث بالاقتصاد واخر التنمية وعطل المشاريع الاستثمارية الكبرى سيبقى سوقا مفتوحة لانتاج الزعامات التقليدية الهشة وبناء كانتونات الاقطاع السياسي التي حولت الدولة الى ملك عضوض والثروة سوقا لبناء الامبراطوريات الحزبية والسياسية وإرثا تتناهبه قوى رجعية مرتبطة بالخارج !.
الولايات المتحدة دولة تبحث عن مصالحها في العراق وليست جمعية خيرية توزع مساعداتها على الدولة التي تحتاج إلى مشاريع للنهضة الاقتصادية والتجارية وفرص للتكامل الاقتصادي لهذا تأتي زيارة الزيدي إلى واشنطن لإدراك طبيعة المصالح المشتركة بين البلدين وهو ما يستدعي الوقوف عند مطالب الدولة العراقية والإفادة من الولايات المتحدة كشريك فعلي ينهض بالتحديات العراقية..
ماهو مطلوب من حكومة الزيدي صفحة جديدة من العمل الوطني مختلفة تعمل على تأصيل طابع العلاقات المهمة مع الولايات المتحدة وتحرير إرادة الحكومة من الضغوط الداخلية والخارجية ووضع حد للاسلحة السائبة وإعادة إنتاج دولة تحترم نفسها وحدودها ومواطنيها.
ان التركة الثقيلة التي وضعتها قوى الاسلام السياسي على كتف الزيدي توجب إيقاف التدخل في الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس والغاء “التوصيفة” التي سار عليها في إدارة الدولة وايقاف العمل بقانون المحاصصة واجراء تغييرات شاملة واصلاحات جذرية في إدارات الدولة وقد بدا رئيس الحكومة خطوة الالف ميل بخطوة اغلاق الخضراء والشروع بتنفيذ مذكرات القبض على سراق المال العام والدعوة الى اجراء اطاحات كبيرة بسلم الوظائف المترهلة في وزارات الدولة العراقية وخارجيا بتوقيع مذكرات الشراكة مع كبريات الشركات الامريكية.
الرجل كان واضحا في الولايات المتحدة بإلاعلان عن سياسته الجديدة اذ حددها بحاجة العراق الى شريك ستراتيجي ينهض بالمطلبيات العراقية ويستجيب للرغبة الوطنية المتنامية بترسيخ العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن اذ الحمل ثقيل والدولة بعد مرور23عاما لازالت مخترقة متهالكة متصدعة نتيجة الفساد المستشري والطائفية التي بدأت بأحياء الانقسامات السياسية في هياكل الوحدة الوطنية.
من المؤكد ان الدروب لن تكون معبدة بالورد امام رئيس الوزراء الجديد على خلفية “الفاعل المحلي” الذي يعتبر الدولة غنيمة والثروة احد عوامل تنمية المال الطائفي إلى جانب اضطراب العلاقة بين الدولة وحملة السلاح وهو ما يفرض على الزيدي مزيدا من العمل على سيادة مفهوم الدولة الواحدة والأمة الواحدة وفرض القانون والضرب بيد من حديد على جبهات التآمر وبيادق النفوذ!.
لقد اعلن في بغداد ان الفترة القادمة ستشهد عقد مؤتمر وطني كبير يضم المكونات الأساسية للمجتمع العراقي وقوى الدولة للاتفاق على عقد وطني ينظم العلاقة وينهض بالمسؤوليات التاريخية الجسام .
يعول الرئيس الجديد على دعم الاقتصاد الوطني وفق قاعدة التنويع وتعظيم الموارد وابعاد الاليات الاشتراكية والتقليدية في إدارة اهم خزانات النفط في العالم وسيكون على الرئيس العمل على ربط الاقتصاد العراقي بسلاسل شبكة الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا واوربا انطلاقا من موقع العراق النوعي في خط التجارة العالمية.
الفرص كبيرة امام الرئيس والزيارة اذا ما احسن استثمار نتائجها باللجان المتخصصة والجدية والمباشرة في توفير ارضيات الشراكة مع واشنطن ستشكل منعطفا تاريخيا مهما سينعكس على الدولة لاستعادة العافية المفترضة وبغير هذه الرؤية فان الرئيس الزيدي سيجد نفسه كما وجد رؤوساء الوزارات العراقية السابقون انفسهم وقد عاد الى قوى التعطيل دون ان يحقق شيئا مختلفا وعندها ستبقى الأطر التقليدية التي ثبت عجزها تحكم شعبا بلا تنمية وارضا مباحة لسراق المال العام وساحة للفساد الكبير .
امل ان تتم عملية نزع سلاح الفصائل المسلحة دون إراقة قطرة دم واحدة وهي عملية وطنية وتاريخية ستخلص العراق من أعباء الحروب والخطف والفوضى مثلما امل ان تستمر حملة مداهمة الفاسدين على خلفية استهداف منظوماته وشبكاته الرئيسية قبل تعقب المدراء والموظفين والأشخاص الفاسدين لان الفساد في العراق منظومة عمل قبل أن يكون موظفا فاسدا أو مدير عام حرامي!.
نقلاً عن "المدى"