الهواتف الذكية وبرمجة الأجيال الجديدة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
قبل عام 2000 كان الأطفال في كل دول العالم يمارسون ألعابهم الطفولية التي تربوا عليها وتعلموها من أجيال سبقتهم. قد تكون تلك الألعاب الطفولية بدائية أو ساذجة، لكن أثرها كان إيجابيا للغاية على تربية الطفل تربية سليمة. لكن نقطة تحول كبرى وقعت بين عامي 2010 و2015، عندما تحقق للعالم أحداث ثلاثة، ظهور الهواتف الذكية، منصات التواصل الاجتماعي، والإنترنت السريع دائم الاتصال. غيرت هذه الأحداث حياة الأطفال الذين يطلق عليهم جيل زد والذين ولدوا في منتصف تسعينيات القرن الماضي. لم يعد الطفل يستخدم الإنترنت لساعات محدودة أمام كمبيوتر الأسرة، صار الإنترنت يسكن جيبه، ويرافقه إلى سريره، ويستيقظ معه، ويشاركه كل لحظة من حياته. كان هذا الجيل أول جيل تصنعه شاشة صغيرة بحجم كف يد الإنسان.
دخل الإنسان الألفية الثالثة محتفيا بأعظم ثورة تكنولوجية عرفها التاريخ، لكن لم يدرك أن هذه الثورة ستعيد تشكيل الإنسان ذاته قبل أن تعيد تشكيل العالم . جاءت الهواتف الذكية ، ثم التحمت بالإنترنت فائق السرعة ، ثم غزت جيوب الأطفال وغرف نومهم ومدارسهم وعلاقاتهم الإنسانية ، لتنشأ لأول مرة طفولة لا تعاش في الشوارع والساحات ، إنما خلف الشاشات .
ظل الأطفال يمارسون اللعب الحر عبر التاريخ , لذلك يعتبر هذا النوع من اللعب المدرسة الأولى للإنسان . من خلاله تعلم الطفل التفاوض ، وتحمل الخسارة ، وضبط الانفعالات ، وتكوين الصداقات ، وحل النزاعات، والاستقلال عن الكبار . لم يكن اللعب وسيلة للترفيه فحسب ، بل تدريبا يوميا على الحياة . لكن خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة بدأ هذا العالم يتلاشى . انخفضت ساعات اللعب خارج المنزل بل لم تعد موجودة . ارتفعت ساعات الجلوس أمام الشاشات . صارت الصداقة تقاس بعدد المتابعين ، أصبح القبول الاجتماعي يمنح بضغطة إعجاب ، وأصبحت المنافسة مستمرة لا تنتهي . انتقل هذا الجيل من الطفولة القائمة على اللعب إلى الطفولة القائمة على الهاتف ، انتقال لم يغير وسيلة التسلية فحسب ، بل غير طريقة نمو الدماغ وبناء الشخصية والتفاعل مع المجتمع .
كان عام 2010 نقطة فاصلة , لم تكن المشكلة في الهاتف الذكي وحده , فالهواتف المحمولة كانت موجودة من قبل ، وكذلك الإنترنت كان موجودا منذ عقود , الجديد كان انتشار الهواتف الذكية بين الأطفال والمراهقين . ووجود الإنترنت فائق السرعة والمتصل باستمرار , وانتشار منصات التواصل الاجتماعي المصممة لجذب الانتباه أطول مدة ممكنة , والتوسع في استخدام الإشعارات والخوارزميات التي تجعل المستخدم يعود مرارا إلى الشاشة . هذه الأشياء خلقت بيئة نفسية لم يعرفها أي جيل سابق. لم يعد الأطفال ينتظرون لقاء أصدقائهم في المدرسة ، صاروا ينتظرون إشعارات على الشاشة . لم يعد كل منهم يقارن نفسه بأبناء حيه ، بل يتطلع إلى الملايين حول العالم ، مقارنة لا تنتهي غالبا إلا بالشعور بالنقص والقلق .
يرى خبراء أن الآباء مارسوا نوعا من المفارقة التربوية , ففي العالم الواقعي كانت التربية أكثر حماية للطفل , يخشى الوالدان أن يذهب الطفل وحده إلى الحديقة ، أو يعود من المدرسة سيرا على الأقدام ، أو يلعب بعيدا عن أعينهما . وعلى العكس من ذلك , ترك الطفل وحيدا داخل العالم الرقمي ، يدخل إليه في أي وقت ، يتحدث مع الغرباء ، يتعرض للإعلانات والمحتوى غير المناسب ، يواجه التنمر الإلكتروني والمقارنات الاجتماعية دون تدريب كاف أو إشراف مستمر . بالغنا في حماية أطفالنا في العالم الحقيقي ، وقّلنا من تقدير مخاطر العالم الرقمي .
تشير الدراسات إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات القلق والاكتئاب وإيذاء النفس بين المراهقين في العقد الماضي، وواصل الباحثون دراساتهم حول مدى تأثير الدور الذي تلعبه التكنولوجيا مقارنة بعوامل أخرى. وحددوا مجموعة من الظواهر التي نتجت عن إدامن الشاشة , كان منها ما يلي : المقارنة الاجتماعية المستمرة , التنمر الإلكتروني الذي لا ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي , اضطراب النوم بسبب استخدام الهاتف ليلا , ضعف العلاقات الإنسانية المباشرة , قلة الحركة والنشاط البدني , الخوف الدائم من فوات الأحداث , والضغط المستمر لبناء صورة مثالية عن الذات .
هذه النتائج تضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم ، وتجعل الراحة النفسية أمرا صعب المنال . المفارقة أن هذا الجيل الذي يعد الأكثر اتصالا من أي جيل سبقه، هو نفسه الأكثر شعورا بالوحدة . يمكنه أن يتحدث مع آلاف الأشخاص ، لكنه يجد صعوبة في إقامة علاقة عميقة مع عدد قليل منهم . يمتلك كما هائلا من المعلومات لكنه يعاني من عدم القدرة على الاستفادة منها بشكل مفيد . يسيطر على وسائل تعبير لا حصر لها ، لكنه يشعر بأن صوته لا يسمع إلا بموافقة الخوارزميات . تغيرت معايير النجاح , بدلا من أن يسعى الإنسان لبناء شخصية متماسكة ، صار يسعى إلى بناء صورة رقمية جذابة ، حتى لو جاءت على حساب صحته النفسية .
التكنولوجيا ليست عدوا للإنسان أو مؤذية ، والمشكلة ليست في الهاتف الذكي ، إنما في توقيت استخدامه ، عمر مستخدمه ، طبيعة التطبيقات التي يتعامل بها ، المدة التي يقضيها أمامها ، وغياب الضوابط التربوية . وإذا استمرت الطفولة الرقمية المبكرة في التوسع دون كبح وتوازن ، فقد يواجه جيل ألفا – التالي بعد جيل زد - تحديات أشد تعقيدا وأكثر سلبية ، مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والمحتوى الشخصي الذي تصنعه الخوارزميات لكل طفل على حدة .
لم تعد التربية تقتصر على تعليم الأبناء القراءة والكتابة ، أو غرس القيم والأخلاق فحسب ، أصبحت تشمل بناء المناعة الرقمية , تعليم الطفل كيف يستخدم التقنية دون أن تستخدمه ، وكيف يستفيد منها دون أن تتحول إلى محور كل حياته .
نقلاً عن الوطن