سنغافورة وإندونيسيا.. أي نمط من العلاقات؟

د.عبد الله المدني
د.عبد الله المدني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

نظرة صغيرة إلى خريطة العالم تكفي لمعرفة مدى الفارق الكبير بين دولة المدينة الواحدة السنغافورية وجارتها الإندونيسية المكونة من 17 ألف جزيرة، على أن الفوارق تتعدى المساحة إلى الثقل السكاني والموارد الطبيعية والمكانة الدولية ونمط التحالفات الخارجية وغيرها، وهي فوارق هائلة لكنها لم تمنع البلدين من تأسيس علاقات تعاون وطيدة في الإطار الثنائي من خلال قمم رؤسائهما السنوية أو في الإطار الجماعي من خلال عضويتهما في منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية.

صحيح أن الفوارق الجغرافية والاقتصادية والبشرية بين البلدين حتمت أحيانا تباينا في المواقف السياسية، إلا أنهما بصفة عامة نجحتا على مدى العقود الماضية في تقديم نموذج عالمي لما يجب أن تكون عليه علاقات الدولة الصغيرة بالدولة الكبيرة. ويبدو أن تلك الصيغة، التي أرساها قادة البلدين التاريخيون، مستمرة اليوم في ظل القادة الجدد الحاليين، والذي يمثلهم اليوم في جاكرتا الرئيس «برابوو سوبيانتو»، وفي سنغافورة رئيس الحكومة «لورانس وونغ»، اللذين عقدا مؤخرا قمة في جاكرتا، شدت أنظار المراقبين، بسبب انعقادها في وقت يمر فيه العالم والإقليم بتحولات وتوترات وحالة من عدم اليقين، خصوصا مع الصراع الدائر حاليا بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، وهو صراع ولد قلقا في سنغافورة وجاكرتا حيال مستقبل مضيق ملقا الاستراتيجي والحيوي لتجارة البلدين.
يجمع المراقبون على أن الرجلين يحاولان بطرق برغماتية أن يتغلبا على بعض الخلافات والتوترات الطارئة بين بلديهما، والتي عادة ما تحجبها المصافحات الحارة، والعبارات الدبلوماسية، ومظاهر الاستقبال والحفاوة.
من هذه الخلافات أولا الهواجس والشكوك السنغافورية حول النزعة القومية المتزايدة في إندونيسيا لجهة السيطرة على الموارد وطرق توجيهها وإدارتها، ومنها ثانيا المنافسة المحتدمة بين الصندوق السيادي الإندونيسي المعروف باسم «داننتارا»، وصندوقي السيادة السنغافوريين «تيماسيك» و«جي آي سي» حول الاستثمارات والاستحواذات، ومنها ثالثا تردد جاكرتا في تصدير رمال البحر والرواسب إلى سنغافورة لمساعدة الأخيرة على استصلاح أراضيها، وهو ما تنظر إليه الحكومة السنغافورية على أنه موقف غير ودي يعيق توسعها العمراني، ومنها رابعا شكوى إندونيسيا من أن سنغافورة تتعامل معها على أنها مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة، وليست عملاقا اقتصاديا لا يمكن تجاهله.
كانت تلك نماذج من الخلافات التي يحاول الطرفان تجاوزها أو إيجاد الحلول لها وفق تسويات براغماتية، لأن كلا منهما في حاجة إلى الطرف الآخر. فسنغافورة، الصغيرة مساحة والمكتظة سكانا، مثلا بحاجة إلى إندونيسيا لجهة مساعدتها في امتلاك امتدادات ومساحات جغرافية للتوسعة العمرانية، ولتلبية احتياجياتها من الطاقة النظيفة، إذ إنها تفتقر إلى أراض شاسعة لإنشاء بنية تحتية واسعة للطاقة المتجددة (بدون كهرباء نظيفة من إندونيسيا تخاطر مراكز التصنيع والبيانات السنغافورية بفقدان قدرتها التنافسية العالمية). وهي في الوقت نفسه بحاجة إلى ضمانات لاستقرار سلاسل التوريد (الزراعية والغذائية تحديدا)، وإلى الأسواق الإندونيسية الواسعة لتسويق منتجاتها المالية والتكنولوجية.
أما إندونيسيا فهي بحاجة إلى خبرات وتجارب السنغافوريين المتراكمة في إدارة المشاريع والموارد بنجاح ودون هدر أو فساد، وبحاجة إلى تأسيس شراكات معهم في مجال تعزيز صناعاتها التحويلية المحلية لترسيخ الاعتراف بثقلها الاقتصادي في إقليم جنوب شرق آسيا، وفي مجاات البنية التحتية الرقمية وشبكات الكهرباء العابرة للحدود وتكنولوجيات الطاقة النظيفة. كما أنهم ينظرون إلى سنغافورة كمصدر لاستثمارات بمليارات الدولارات، بينما تريد سنغافورة ضمانات قانونية بألا تتأثر استثماراتها بتقلبات الداخل الإندونيسي. وباختصار شديد، هناك اعتماد متبادل، غير متكافئ، بين البلدين.
ولا يكتمل الحديث عن العلاقات الإندونيسية السنغافورية، المتميزة بصفة عامة بالاستقرار، دون التطرق إلى تأثرها من وقت إلى آخر بالتنافس بين بكين وواشنطن. فسنغافورة رغم أنها تعمل كقناة مالية رئيسة لتدفق روؤس الأموال الصينية إلى الخارج، فإنها تحافظ على تحالف عسكري واستراتيجي مع الولايات المتحدة. وبالمثل، فإن إندونيسيا تحاول موازنة نفوذ بكين الاقتصادي الهائل بعلاقات دفاعية متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين. غير أن نقطة الخلاف هنا تكمن في مخاوف سنغافورة من أن تنجرف إندونيسيا بشكل مفرط إلى فلك بكين الاقتصادي، فيختل التوازن الامني في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، وهذه المخاوف تقابلها مخاوف في جاكرتا من اندفاع سنغافورة في المخططات الأمنية الأمريكية بصورة تثير التنين الصيني وتستفزه، أو تقوض وحدة منظومة آسيان.

نقلاً عن "الأيام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.