من التعاون إلى الاتحاد... لماذا أصبح الخيار الخليجي ضرورة استراتيجية؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم يعد الحديث عن تطوير مجلس التعاون الخليجي إلى صيغة أكثر تكاملاً ترفاً سياسياً أو فكرة مثالية، بل استجابة واقعية لتحولات إقليمية ودولية تتسارع بصورة غير مسبوقة، وتنذر بخطر وجودي داهم؛ فالدول لا تبني استراتيجياتها على الأمنيات، بل على قراءة موازين القوة، ومتابعة اتجاهات المخاطر، واستشراف المستقبل.
وعندما ننظر إلى الأرقام بعيداً عن الانفعال، نجد أنها تقود إلى نتيجة واحدة، هي أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالاً خليجياً من مفهوم التعاون إلى مفهوم الاتحاد التدريجي، لأن من في الجوار أظهر دون أدنى شك رغبة جامحة في السيطرة على الإقليم.
تشير تقديرات عام 2026 إلى أن عدد سكان إيران يقترب من ثلاثة وتسعين مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان العراق نحو ثمانية وأربعين مليوناً. وإذا أضفنا اليمن، حيث يتمتع الحوثيون بنفوذ واسع في أجزاء مهمة من البلاد، فإننا نتحدث عن كتلة سكانية كبيرة تقع ضمن مجال النفوذ الإيراني بدرجات متفاوتة.
في المقابل، يقدّر عدد المواطنين في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون بنحو ثلاثين مليون نسمة. ولا يعني ذلك أن جميع سكان العراق أو اليمن يتحركون وفق الإرادة الإيرانية؛ فذلك لا يعكس الواقع، لكنه يوضح حجم البيئة السكانية التي تستطيع طهران العمل داخلها سياسياً وأمنياً وإعلامياً.
هذه المقارنة لا تهدف إلى إثارة القلق، بل إلى إبراز حقيقة استراتيجية مفادها أن الدول الصغيرة نسبياً تحتاج إلى مضاعفة عناصر قوتها من خلال العمل الجماعي. فالكتلة الخليجية، إذا بقيت تتعامل مع التحديات بصورة منفردة، ستكون أقل قدرة على تحقيق الردع السياسي والاقتصادي والأمني والحفاظ على استقلالها، مما لو تحركت بوصفها وحدة متماسكة. ولهذا السبب تتزايد في السنوات الأخيرة الدعوات إلى تطوير مجلس التعاون، ليصبح إطاراً أكثر تكاملاً؛ وهي دعوات تبنّاها عدد من المسؤولين والمفكّرين الخليجيين، من بينهم الدكتور أنور قرقاش (الإمارات)، كما كتب عبد الرحمن الراشد (السعودية) في الاتجاه نفسه، انطلاقاً من أن طبيعة التحدّيات تجاوزت الأشكال التقليدية التي أنشئ المجلس في ظلها، بل أصبحت تهدّد الوجود، ودعوة الكونفيدرالية أصبحت تنادي بها نخبة واسعة من مواطني مجلس التعاون.
لكن عدد السكان ليس وحده معيار القوة؛ فالصورة تتغير جذرياً عندما ننظر إلى الاقتصاد، إذ يقدّر الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون في عام 2025 بنحو 2.4 تريليون دولار، في حين يبلغ مجموع الناتج المحلي لإيران والعراق واليمن نحو سبعمئة مليار دولار وفق التقديرات المتداولة. وهذا يعني أن الخليج، رغم قلّة عدد سكّانه، يمتاز بقاعدة اقتصادية تتجاوز ما تمتلكه تلك الدول مجتمعة، وتشير إلى الفرق الكبير في متوسط دخل المواطن. كذلك، فإن دول المجلس نجحت خلال العقود الماضية في بناء بنية تحتية متقدّمة، وتطوير قطاعات مالية واستثمارية، وإنشاء صناديق سيادية تعدّ من الأكبر عالمياً، وتحقيق مستويات مرتفعة في الخدمات العامة وبرامج التنمية البشرية.
من هنا تظهر المفارقة الحقيقية في ميزان القوة؛ فهناك كتلة سكانية كبيرة تواجه تحديات اقتصادية وإدارية مزمنة، بينما توجد كتلة أصغر سكاناً نجحت في تحويل مواردها إلى مشاريع تنموية واقتصادات أكثر استقراراً.
ولا يتعلق الأمر بحجم الدخل فقط، بل أيضاً بجودة الإدارة. فنجاح المؤسسات، وكفاءة التخطيط، وسيادة القانون، والقدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى، كلها عناصر تمنح الدول وزناً يفوق أحياناً ما تمنحه الكثافة السكانية وحدها، مما يثير ما يمكن أن يعرف ب"ضغينة الثراء"! ولقد كتب عدد من المسؤولين الإيرانيين عن نجاج تجربة دول المجلس تعبيراً عن تلك الضغينة، ودعا بعضهم للتمثل بهذا النموذج! كما أنها ماثلة للمقارنة أمام الشعب الإيراني الذي يعاني من ضيق اقتصادي هائل، ويشعر ب"مرارة التفاوت"، فيأتي البعض، بدلاً من الاستعانه بالنموذج إلى محاولة هدمه بالمسيرات والصواريخ، وتؤكد التجارب الدولية هذه الحقيقة.
فالولايات المتحدة ليست المثال الوحيد للقوة، إذ إن الاتحاد الأوروبي نجح في تحويل مجموعة من الدول إلى واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية والسياسية في العالم من خلال السوق المشتركة والمؤسسات الموحدة والتنسيق في السياسات العامة. كذلك، فإن دول الشمال الأوروبي، رغم محدودية عدد سكّانها، أصبحت بتقاربها من أكثر دول العالم تقدّماً في التعليم والابتكار والحوكمة.
بين هذه النماذج ليست كثرة السكان هي الوازنة، بل كفاءة الإدارة، والعمل المؤسسي، والقدرة على بناء المصالح المشتركة، مما يسبب لدى بعض الثقافات "مرارة" التفاوت الاقتصادي، يعبّر عنها سياسياً بموقف سلبي! وفي تقديري، فإن البعد الأقلّ تناولاً في النقاش الخليجي هو أن الصراع الإقليمي لا يدور حول النفوذ السياسي فقط، وإنما حول الثروة أيضاً.
فالخليج يمتلك احتياطيات ضخمة من الطاقة، وصناديق سيادية واستثمارات عالمية، وموقعاً جغرافياً يربط بين أهم طرق التجارة الدولية. ومن الطبيعي أن تصبح هذه الثروة هدفاً لشهوة الاستحواذ الإقليمية، يعبر عنها بطرق مختلفة، سواء عبر الضغط السياسي، أو التأثير في القرار، أو إضعاف التماسك الداخلي، أو الهجوم المباشر، بالمسيرات والصواريخ.
ومن هنا فإن حماية الثروة الخليجية لا تقلّ أهمية عن حماية الحدود، لأن التنمية والاستقرار هما مصدر القوة الحقيقي في المنطقة. إن المستقبل لن ينتظر المترددين، كما أن التحديات المقبلة لن تكون أقل تعقيداً من تحديات اليوم.
وإذا كانت دول الخليج قد نجحت في بناء نموذج اقتصادي وتنموي يحظى باحترام العالم، فإن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلّب الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل المشترك. فالخليج لا يحتاج إلى اتحاد لأنه ضعيف، بل لأنه قويّ، والقوة تصبح أكثر رسوخاً عندما تتحول إلى قوة جماعية قادرة على حماية الأمن، وصيانة الثروة، وصناعة المستقبل.
نقلاً عن "النهار"