العلم خيال.. طاويَة الفضاء
شهد صيف 2015 حدثين علميين شيقين، كلاهما مرتبطان بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا). الحدث الأول هو وصول مركبة ∩نيوهورايزن∪ (الأفق الجديد) إلى الكوكب القزم بلوتو، في رحلة استغرقت سنوات تسع! والثاني هو اكتشاف كوكب شبيه بالأرض يبعد عن مجموعتنا الشمسية حوالي 1400 سنة ضوئية، اسمه العلمي (كبلر 452)، أما المهتمون من الجمهور فسمُّوه (الأرض − 2).
لولا أن الخيال أهم من المعرفة كما يُنقل عن آينشتاين، لانتهت هذه المقالة هنا. ولكن عقل الإنسان قادر على الخروج عن قيود الواقع وتخيّل عالم افتراضي جديد. فهناك عدة طرق في أدبيات الخيال العلمي لقطع المسافات الكونية بسرعات تفوق سرعة الضوء.
ولكن هل توجد طريقة للانتقال بسرعات تتجاوز سرعة الضوء ولا تتناقض مع قوانين الفيزياء؟ الجواب هو نعم!
وهنا تأتي قصة الفيزيائي المكسيكي ميجيل آلكوبايير الذي كان في عام 1994م في السنة الأخيرة من مرحلة الدكتوراة بجامعة ويلز في بريطانيا، ومجال اختصاصه هو النسبية العامة. وفي الوقت نفسه، كان من محبي الخيال العلمي. وفي يوم ما، بعد مشاهدة إحدى حلقات مسلسل «Star Trec» الشهير، فكّر في السؤال التالي: هل بالإمكان أن نغير شكل الفضاء حول مركبة فضائية بحيث ننقلها من مكان إلى آخر بسرعة تتجاوز سرعة الضوء، وفي الوقت نفسه لا نخالف مبادئ النسبية العامة؟
بعد جهد، توصل إلى معادلة تصف هندسة خاصة لـ «الزمكان» لا تخالف النظرية، وتفترض السماح بـ «طيّ» أو «لفّ» الفضاء بطريقة تمكِّن من الوصول إلى أهداف على مسافات كونية خلال أيام أو أشهر. وهذا زمن أقصر بكثير من ذاك الذي يستغرقه الضوء نفسه.
فكرة آلة آلكوبايير أو آلة طي الفضاء (Space Wrap Drive) تعتمد على جعل الفضاء يتمدد خلف المركبة ويتقلص أمامها. أما الفضاء الذي تقع فيه المركبة نفسها فإنه يظل فضاءً مسطحاً وتسمى هذه المنطقة بالفقاعة.
إن هذا الترتيب الخاص يؤدي لنشوء موجة في «الزمكان». يتمدد الفضاء من وراء الفقاعة فيدفعها بعيداً عن محطة الانطلاق ونحو وجهتها، وفي الوقت نفسه يتقلص الفضاء أمام الفقاعة ليجُرَّها نحو نقطة الوصول وبعيداً عن محطة الانطلاق. ولأن الفضاء نفسه هو الذي يتمدد أو يتقلص فإن سرعة الضوء ليست هي الحد الأقصى كما تخبرنا النسبية العامة. وبالتالي يمكن للتمدد والتقلص أن يحصل بسرعة تتجاوز سرعة الضوء.
أما داخل الفقاعة، فلا يمكن لشيء التنقل بين جنباتها بسرعة تتجاوز الضوء، بل تقف المركبة ثابتة، فيما تأخذها موجة «الزمكان» إلى المكان المطلوب في زمن قياسي!
مصاعب وآمال متجددة
لكن ما كُل ما يتمناه المرء يدركه! لأن إيجاد تلك الظروف يتطلب توزيعاً خاصاً لنوع غريب من المادة حول المركبة. فالمطلوب هو مادة ذات كتلة سالبة! ولا يوجد حتى اليوم دليل يؤكد وجودها. فضلاً عن ذلك، فإن الكتلة المطلوبة تتجاوز ما يمكن أن نتخيله في الكون كله! بالإضافة لإشكالات أخرى. ولولا سعة خيالنا لانتهى المقال هنا أيضاً!
لحسن الحظ، فإن أحد أكثر الفيزيائيين تحمساً لآلة طي الفضاء يعمل في وكالة ناسا، واسمه هارولد وايت. وفي العام 2011م، قام وايت بحسابات تبين أن الطاقة/الكتلة اللازمة لتشغيل طاوية الفضاء يمكن خفضها إلى ما يقترب من 700 كيلوجرام فقط. واقترح تعديلات على معادلة آلكوبايير بحيث تتحول الفقاعة إلى شكل يشبه الطارة أو قطعة (الدونات). وأخيراً فإنه يقوم حالياً وفريق عمله على دراسة لاختبار أثر طي الفضاء بآلة نموذجية صغيرة، وما زال عملهم قيد البحث حتى اليوم في معامل وكالة ناسا.
هل ستنجح التجربة ويتم تأكيد مبدأ عمل آلة طي الفضاء؟ ستبدي لنا الأيام ذلك! ولكن حتى وإن لم تنجح فلن يتوقف شغفنا كبشر بالخيال والحلم بمغامرات جديدة، ولا طموحنا العلمي لاستكشاف الكون الذي يضمنا!
**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية