.
.
.
.

الإبداع في ظل الوباء وبعده

نشر في: آخر تحديث:

كتب وليم شكسبير مسرحيته "الملك لير" في ظل انتشار الطاعون عام 1599م، وصاغ إسحاق نيوتن بعض نظرياته عن الجاذبية عام 1687م تقريباً، في ظل ظروف مماثلة أيضاً، وكتب الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين بعض أعظم أعماله في ظل ظروف غلق مماثلة. كذلك فعل فنانون تشكيليون أمثال بروجل وفيرمير وفان جوخ وغيرهم.

لقد مثلت الأزمة الخاصة بوباء كورونا، تهديداً وجوديّاً بالنسبة لكثير من المؤسسات والعاملين في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية. ورغم أن مؤسسات كبرى تمكنت بحكم طبيعتها الرقمية والمضمون الذي تقدِّمه من تحقيق استدامة في الخدمة والأرباح، إلا أن مؤسسات وأفراداً كثيرين عبر العالم أصبحوا على حافة الإفلاس.

ثمَّة ثلاثون مليون شخص تقريباً كانوا يعملون في القطاع الثقافي عبر العالم (وفقاً لبعض التقديرات الخاصة بمنظمة اليونيسكو). كما أن هذا القطاع كان يقدِّم لدول العالم إيرادات تقدَّر بأكثر من خمسمئة مليار دولار (وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد)، وهي تقديرات سبقت مباشرة اجتياح فيروس كورونا العالم. لكن الوباء ضرب هذا القطاع بشدة غير متوقعة، فخسر حوالي عشرة ملايين شخص يعملون في صناعة السينما، بشكل مباشر أو غير مباشر، وظائفهم خلال عام 2020م. كما أدَّى إغلاق قاعات الحفلات الموسيقية والمتاحف وقاعات عرض الفنون التشكيلية إلى حدوث خسائر تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، كان يتم تحصيلها من عائدات الحفلات والإعلانات والرعاة وغيرها. كذلك تراجع الدخل الخاص بصناعة النشر حوالي %8 خلال العام المنصرم.

كان هناك توقُّع أن تواجه المملكة المتحدة، تمثيلاً لا حصراً، خسائر سنوية في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية تقدّر بحوالي مئة مليار دولار بسبب وباء كورونا، وأن تأثير هذا الوباء على القطاع سيكون ضعف تأثيره على الاقتصاد بشكل عام.

ورغم التأثيرات السلبية المتعلقة بوباء كورونا على الإبداع، إلا أن هناك تأثيرات إيجابية للإبداع أيضاً في مواجهة هذا الوباء. فقد قُدمت إسهامات إبداعية كثيرة من أجل مساعدة الناس لمواجهة الضغوط والمخاوف وحالات عدم اليقين والملل وغياب المعلومات. كما وفر الإبداع لهم، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي تحديداً، وسيلة للتعبير عن انفعالاتهم والتفاعل مع الآخرين وتبادل المعلومات والضحك والاطمئنان والمشاركة في الأفراح في مواجهة الأحزان. كما مثلت هذه الأزمة أيضاً نوعاً من التحدي، وفرصة أسهمت في تدفق الابتكار الرقمي والاجتماعي والفني، وكذلك في مجال ريادة الأعمال.

لقد شكلت هذه الأزمة نوعاً من التحدي البنيوي المتعلق بإمكانية بقاء مثل هذه المؤسسات وهؤلاء الفاعلين، أو استمرارهم، في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، ومن ثم كان ينبغي أن تُبذل جهود من أجل التصدي لها ومواجهتها بطرائق ثقافية وإبداعية أيضاً. فقدّمت ألمانيا خمسين مليار يورو تقريباً لدعم المتضررين من هذا الوباء بصفة عامة، وضمَّنت الفنانين والعاملين في القطاع الثقافي في هذا الدعم. وقُدمت مبادرات مماثلة في أستراليا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وفرنسا والبرتغال والمملكة المتحدة والسويد واليابان وجنوب إفريقيا وساحل العاج وبوركينافاسو والأرجنتين وكندا وشيلي وغيرها، بدعم يتفاوت من دولة إلى أخرى.

تشير منظمة اليونيسكو، في تقرير لها صدر في نهاية عام 2020م، إلى ضرورة الدعم المباشر وغير المباشر من الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص والبنوك لقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، كالمسرح والسينما والموسيقى والكتب والفنون التشكيلية ومنتجات الحِرَف الشعبية والألعاب الإلكترونية وغيرها. كذلك تقديم الدعم للبرامج التي تهدف إلى تطوير المهارات الجديدة لدى العاملين في هذا القطاع وخاصة من الشباب؛ ومنها مهارات رقمنة المنتجات الثقافية والإعلان عنها وتسويقها وتحصيل العوائد ورسوم الملكية الفكرية الخاصة بها. وأيضاً تقديم حزمة كبيرة من عمليات الدعم غير المباشر.

يضاف إلى ما سبق ضرورة التشجيع التدريجي للجمهور الذي لا يتعاطى مع المحتوى الإبداعي الرقمي (%46 من سكان العالم)، الذين ليست لديهم وسائل تمكِّنهم من التعامل المناسب مع شبكة الإنترنت؛ عن طريق رفع كفاءة الشبكات الموجودة، وأيضاً توسيع الخدمة الخاصة بتقديم الإنترنت المجاني كما فعلت دول في أوروبا مثل فنلندا، وزيادة إقبال الشباب أيضاً على اكتساب المهارات المتعلِّقة بالذكاء الاصطناعي، وخدمات مثل البيانات الضخمة وتكنولوجيا الجيل الخامس وغيرهما، وهي الخدمات التي كانت متسارعة في السنوات التي سبقَتْ جائحة كورونا، لكن نموها سوف يتسارع وفقاً لبعض التقديرات العلمية خلال السنوات الخمس القادمة، على نحو يفوق ما حدث في أية تكنولوجيا أخرى خلال الثلاثين عاماً الماضية.

هكذا ينبغي أن تكون هناك حالة من تأكيد دور الإبداع بصفة دائمة، باعتباره شكلاً من أشكال المقاومة الصلبة لهذا المرض، ليس في عملية اكتشاف الأمصال واللقاحات الجديدة فحسب، بل في أنشطة الحياة ومساراتها المتشعبة المختلفة أيضاً.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية