.
.
.
.

السدو.. أسلوب تفكير وهندسة وعمارة

ليس السدو مجرّد نسج رُقع من صوف، بل إنه مقاربة لنسج بُنَى خفيفة وقابلة للنقل، يمكنها أن تتشكّل في فُسحٍ متبدّلة في المكان. والسدو نمط تفكيرٍ وهندسةٍ وعمارة

نشر في: آخر تحديث:

لا يحتاج نسج السدو إلى تقديم، إنه مصدر تميُّز ثقافي وتثبيت هويّة في دول الخليج. فمن المتحف الوطني في الرياض إلى بيت السدو في الكويت، تعرض المؤسّسات الثقافيّة في كل أنحاء الخليج نسج الصحراء التقليدي، من الغزل السميك، إلى النول البسيط وطائفة الأدوات الصغيرة التي تحتاج إليه عمليّة النسج. وتقدّم مهرجانات التراث نسّاجي السدو، وتمشيط الصوف وغزله، ونسج زخارفه الدقيقة بعناية على النول. ولهذا السبب، حظي الدور المهمّ الذي تلعبه هذه الصنعة في تراث الخليج باعتراف عالمي بمكانته، حين اكتسب السدو مكانته على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.

السدو هو "ثقافة نسيج الحركة". فالمنسوجات ليست قابلة للكسر، ولا هي ثابتة في المكان، بل تتغيّر، ويمكن أن تتحوّل إلى أشياء كثيرة، وفق الحاجة. كما أنها أسلوب تفكير، وهندسة وعمارة.

وبالنظر إلى أن نمط العيش البدوي قد صار الآن من بقايا الماضي، وأن عدد نسّاجي السدو الناشطين قد تضاءل بسرعة، فإن تسجيل السدو على قائمة اليونسكو التراث الثقافي غير المادي هو أمر حيوي للالتفات إلى أهمية هذه الحِرفة وحماية مكانتها ضمن التراث. والحقيقة أن السدو مناسبة لنبدأ تفكيراً، طالما احتجنا إليه، في صدد تراثنا. فما الذي يعنيه التراث لنا؟ هل هو مادي فقط، أم أن أثره يشمل علاقتنا مع الطبيعة والبيئة المحليّة؟ وكيف أمكن لهذا التراث أن يرسم ملامح هويّتنا؟ هل أنه مجرّد جاذب جمالي، أم أن له علاقة أعمق بالصنعة وبيئة الصحراء؟ هذه بعض الأسئلة التي يمكن للسدو أن يدعونا من جديد إلى إعادة النظر فيها.

يعلّمنا السدو أن ننظر بعين الاحترام إلى ثقافتنا. إن ذلك يعني الافتخار بإرثنا الثقافي، والاستفادة من ثروة تستطيع أن تمكّننا بواسطة توفيرها الأدوات والقيم.
يعلّمنا السدو أن ننظر بعين الاحترام إلى ثقافتنا. إن ذلك يعني الافتخار بإرثنا الثقافي، والاستفادة من ثروة تستطيع أن تمكّننا بواسطة توفيرها الأدوات والقيم.

علاقة الإنسان بالطبيعة

يكمن سحر السدو في أنه بسيط ومعقَّد في آنٍ معاً. فحرفته تتطلّب أدوات وبراعات أساسيّة: إذ يبدأ بخيط، ويتحوّل إلى قماشة، فجدار، ثم بيت. وفكرته تبسّط التحدّي المعقَّد لإيجاد مأوى في الصحراء. فهو خفيف، لكنه ذو شأن. ويجمع بين قصّة يرويها، ومهمّة يقوم بها. فهو يروي عن علاقة سكّان الصحراء الوثيقة بالنظام البيئي وفهمهم له، وقدرتهم على تسخير الموارد من أجل البقاء. وهو درس في الموازنة القائمة في علاقة الطبيعة والإنسان. ويمكن الخلوص، في فهم جوهر السدو، إلى خمسة مفاهيم بعيدة المغزى:

1. الخفّة، وهي نقيض الثقل والفائض، تعني التحفّظ والجدوى، في الكلمات والحركات والأفكار والأشياء. فالصحراء، في شسوعها، مكوّنة من ترليونات حبيبات الرمل البالغة الخفّة. وهي معاً تشكّل كثباناً مهيبة ومدى لا حدود له. والشعر العربي والسدو، كلاهما من ثمار هذه الصحراء. فالشعر، وهو ميراث ثقافي لا مثيل له إلا في العالم العربي، ثري بصوره، لكنه خفيف بكلماته. ويُتَوارَث شفاهةً، وبفضل شفاهته استطاع أن يبقى ألوف السنين. وعلى غرار الشعر، يحمل السدو كل ملامح نسبه الصحراوي: إنه عملي، ومتبدّل، وقابل للحمل. فمهمّة السدو في جوهرها، هي تمكين البدوي وأسرته من الحركة، وفي الوقت نفسه توفير ظل لهم، ومأوى من الحر القائظ والرياح العاتية. ويمكننا، على هذا النحو أو ذاك، أن ننظر إلى النسّاج البدوي على أنه المصمّم الأول للأدوات المنقولة.

2. طواعيّته، السدو في جوهره "نسيج ثقافة متنقّلة". فخلافاً للمنازل العصريّة، يتيح نسيجه الحركة والتحوّل. فالمنسوجات المرنة يمكن استخدامها بطرق متنوّعة: لبناء جدران الخيمة الخارجيّة، أو لإنشاء قواطع فُسَح في داخل هذه الخيمة، أو لتبديل هذه الفُسَح وفقاً لحاجة الأسرة. إن هذه المقاربة لبناء البيت تمتاز بالمرونة والتبدّل؛ كذلك تمتاز بأنها تتيح إقامة مأوى في الصحراء يتّصف بالمرونة والمتانة إلى الحد الذي يفي بأغراض الحاجات المتبدّلة عند الأسرة، لكن يمكن في الوقت نفسه أن يُفَكَّك ويُنقَل.

ليس السدو مجرّد نسج رُقع من صوف، بل إنه مقاربة لنسج بُنَى خفيفة وقابلة للنقل، يمكنها أن تتشكّل في فُسحٍ متبدّلة في المكان. والسدو نمط تفكيرٍ وهندسةٍ وعمارة. فهو يتطلّب أن تبدأ بحاجات الأسرة وتُبنى من الأساس صعوداً. والقدرة على الطواعية هي من صميم مفهوم السدو؛ فالمنسوجات لا تُكسَر، لكنها ليست جامدة. إنها نقيض لمنازل اليوم، التي تشاد من الإسمنت والموادّ الثابتة.

3. التعاون، كان العيش في الصحراء يعتمد على التعاون في داخل الوحدة الأُسَرِية. وكانت النساء شريكات منتِجات من أجل البقاء، ويُضِفنَ قيمةً في الأسرة. ومثلما كانت للرجال مهامّهم المعلومة، كذلك كانت النساء ناشطات في تربية الأطفال والطبخ وصناعة المأوى. ففي بيئة الصحراء القاسية، مع عدم تحديد واضح لدور كلٍّ من الجنسين، لم يكن في استطاعة الفرد أن يعيش منفرداً. ولم تكن النساء النسّاجات مجرّد حائكات ملابس، بل كنّ معماريّات، ومهندسات، وخائطات، ومصمِّمات لأكبر البُنى المحيكة في العالم. ومن المفهوم إلى التنفيذ، كُنَّ مسؤولات عن توفير المأوى. وكان يُنظَر بكثير من التقدير لبراعة المرأة؛ فكلما كانت الخيمة أكبر وأجمل، كان يزداد تقديرها في عيون زوجها وأسرتها وجيرانها. وكان هذا يعزّز أدوار المرأة المتمّمة لأدوار الرجل في داخل الأسرة. ومن سخرية الأقدار أن الاستغناء عن دور النساء في بناء المأوى في المجتمعات الخليجية الحديثة، أدى إلى تقليص أدوار المرأة الإنتاجيّة، فحُصرت في الطهو وتربية الأطفال، وألغت مصدراً مهماً للسلطة والمكانة.

4. الاستدامة، وهي كلمة تتردّد في عالمنا اليوم، وتعني الحذر لا الإفراط في استخدام مواردنا الطبيعيّة، وترسخ في صميم فكرة نسج السدو. لقد اكتفت النساء بالموارد المتاحة: شعر الماعز، والشياه، والإبل، وقشر الفاكهة، ونبات الصحراء. كانت المنسوجات متنوِّعة ومتعدِّدة الاستخدام: جدار فاصل يمكن تحويله إلى حقيبة؛ وإذا تمزّق جدار الخيمة يمكن ترقيعه؛ وإذا انشقت رقعة يمكن ترميمها، أو استبدال رقعة جديدة بها. وبسبب طبيعة نسيج الخيمة ومفروشاتها، فإن إصلاح الأشياء وتدويرها (recycling) كان سهلاً. وأخيراً، حين يتمزّق شيء ولا يعود صالحاً للترميم، لم يكن يُلقَى ليتفكّك بيولوجياً. فطبيعة السدو المتنوّعة وعبقريّة النسّاج، صنعتا أشياء مصنوعة من مادّة مستدامة، على انسجام تام مع الطبيعة.

فلنتخيّل الآن علاقة السكّان بالصحراء؛ المولّدات تلوّث التربة، وأوعية اللدائن متناثرة في الرمال، وسحر الصحراء، سكونها ونقاؤها في خطر بسبب مصنوعات رفاه المدينة. ففي غضون جيلين، تحوّلت المدن في الخليج من مآوٍ مستدامة للسكن، إلى نوع ذي أثر سلبي على البيئة.

5. الوعي بالمكان، على الرغم من أن الصحراء شاسعة ولا حدود لها، فإنها تضفي على ساكنيها وعياً قويّاً بالمكان. ويدل التقليد في الشعر القديم للوقوف على الأطلال، على مدى ما كانت تخلّفه في النفس ذكريات المكان من حنين. كذلك تَمُدّ منسوجات السدو المرء بصلة وصل مع الصحراء، بتوفيرها يوميّات بصريّة لعيش البادية. لقد حاكت كل امرأة رحلتها من خلال رموز هندسيّة بسيطة: كثبان، وبِرَك صغيرة، وعقارب، وأكوام تمر. والنسج، وهو أفقي الامتداد، يحاكي امتداد الرمال. وتبرز الألوان من دونما إفراط. فالسدو فن للبصر وللّمس؛ إنه يمثّل غرائز المرأة الفنيّة، في أشياء ملموسة "تجسّد لحظاتٍ تُذكَر في رحلتنا المديدة في الزمان والحياة. وهو أشبه ببطاقات بريد ثلاثيّة الأبعاد". أما اليوم، فأولئك الذين لا يزالون يحتفظون بعلاقة مع الصحراء قلّة؛ والأطفال والبالغون يشعرون في الصحراء أنهم في غير مكانهم الصحيح، وعلاقتهم بها منفصمة عن الإدراك الحميم لبيئتها.

في العقود الماضية من السنين، كانت بيئة الصحراء الحيّة مصدراً للثروة وأرضاً قاحلة نوعاً في الوقت نفسه، لكنها استُغِلَّت وخُرِّبت ولُوِّثَت. وقد هُمِّش نظامها البيئي الهش الذي يحتاج إلى عناية وانتباه، وأُلحِق به الضرر، من جرّاء الحفر، والرعي الجائر، والقمامة. ويمكن للسدو ولغيره من الحِرف الصحراويّة أن يوفّر فرصة لإعادة التوازن إلى هذه العلاقة. فالتنمية الحضريّة والتحديث مضيا بعيداً في مسيرة إغفال رابطتنا بالطبيعة، أكان ذلك البحر أم الصحراء. وبسبب هذا الإغفال، استُبعِدَت دروس قيّمة يمكن أن نتعلّمها وندوّلها، وكان استبعادها من أجل اعتماد نمط عيش غير مستدام.

وفي كثير من الحقول التي تتراوح بين نظامنا التربوي وأنواع الوظائف التي نحتاج إلى خلقها، يمكن لإرثنا الثقافي أن يكون مصدرإلهام وتجديد. فإذا استفدنا من المفاهيم اللصيقة بنسج السدو، وأدمجناها في حقول الهندسة والتصميم والعمارة مثلاً، يمكننا أن نطوّر إمكانات للمستقبل. وبدلاً من استيراد الحلول من الخارج، يمكننا أن نصمّم حلولنا بتحويل تحدّيات نظامنا البيئي سواء أكان ذلك في الاستظلال، أو التبريد، أو في الإدارة المائية، إلى فرص وإمكانات. قد لا يكون نُسّاج السدو يملكون تعليماً رسميّاً، لكنهم على انسجام وتناغم مع محيطهم البيئي.

وأخيراً، يعلّمنا السدو أن ننظر بعين الاحترام إلى ثقافتنا. إن ذلك يعني الافتخار بإرثنا الثقافي، والاستفادة من ثروة تستطيع أن تمكّننا بواسطة توفيرها الأدوات والقيم. فالسدو يمكنه أن يعلّمنا ويعلّم العالَم كذلك، عن تسخير الموارد المحليّة من أجل البقاء في الظروف القصوى. فخفّة الوزن، والقدرة على التكيّف، والاستدامة، جميعها مفاهيم ترعرعت محلياً، ويمكنها أن تُثري مجتمعاتنا الحديثة، والعالم في الإجمال.
إن علينا أن نشكر السدو في هذا الشأن.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية