.
.
.
.

الجاذبية الاصطناعية.. خطوة نحو السياحة الفضائية

نشر في: آخر تحديث:

تتجه بعض الشركات الفضائية ضمن خططها المستقبلية نحو الاستثمار في تنظيم رحلات إلى الفضاء الخارجي بتكلفة منخفضة. ولكن السفر إلى الفضاء ينطوي على مخاطر صحية جسيمة نظراً لانعدام الجاذبية الأرضية، مثل اضطرابات التوازن، وضمور العضلات وأهمها عضلة القلب، وهذه التأثيرات الفسيولوجية السلبية تمثِّل واحداً من أبرز التحديات في السياحة الفضائية، بعدما كانت ولا تزال من التحديات التي يواجهها روَّاد الفضاء المحترفون خلال إقاماتهم الطويلة في الفضاء الخارجي.

ينص قانون نيوتن الأول على أن الأجسام تظل في حالتها ما لم تؤثر عليها قوة خارجية، فالأجسام المتحركة في خط مستقيم وبسرعة منتظمة تستمر في حركتها، كما أن الأجسام الساكنة تظل ساكنة ما لم تؤثر عليها قوة تغيِّر وضعها أو اتجاهها. وهذا يعني أن الجسم الذي يتحرَّك عبر الفضاء في خط مستقيم، سيستمر في حركته ما لم تؤثر عليه قوة خارجية، وهو ما يُعرف في الفيزياء بمصطلح القصور الذاتي. وعندما يتحرَّك الجسم بسرعة ثابتة في مسار دائري فهناك قوة مركزية تجذب الجسم إلى الداخل يطلق عليها قوة الجذب المركزي، وهي القوة اللازمة لإبقاء الجسم يتحرَّك في مسار دائري نحو الداخل باتجاه مركز الدوران. بينما تتشكل قوة أخرى يطلق عليها قوة الطرد المركزي تعاكس هذه القوة طبقاً لقانون نيوتن الثالث الذي ينص على أن لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة في الاتجاه. وقوة الطرد المركزي تكون معاكسة لقوة الجذب المركزي وهي التي تمنع انسكاب الماء من السطل الدوّار المشدود بالحبل عندما تكون فوهته إلى الأسفل. وقوة الطرد المركزي موجودة في أغلب الأشياء ضمن حياتنا اليومية مثل: دوران السيارة في مسار دائري، وتجفيف الملابس في الغسّالة.. كما أن لها تطبيقات أعمق مثل محاكاة تسريع الإطلاق الفضائي لتدريب روَّاد الفضاء، وجهاز الطرد المركزي المخبري لفصل مكوّنات الدم، وأجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم.

الجاذبية الاصطناعية في الخيال العلمي

لطالما شكّلت الجاذبية الاصطناعية أرضاً خصبة لأفلام الخيال العلمي منذ فِلْم "أوديسة الفضاء 2001" الذي صدر في عام 1968م، حيث تدور محطة الفضاء بأكملها لخلق جاذبية اصطناعية، ويقوم رائد الفضاء بالركض حول المحيط الداخلي لسفينة الفضاء على شكل حلقة، فعندما تدور السفينة الفضائية ببطء، تدفع قوة الطرد المركزي المتولدة جميع الأشياء بما في ذلك الأشخاص إلى الخارج بعيداً عن مركز الدوران، في عملية محاكاة لقوة الجاذبية. لكن في الواقع، لا توجد حتى هذه اللحظة محطة فضائية دوّارة قادرة على التغلب على مشكلة انعدام الجاذبية من خلال توليد جاذبية اصطناعية، ويعود سبب ذلك إلى التكلفة الاقتصادية العالية، وقصور التقنيات الحالية في محاكاتها للجاذبية الاصطناعية التي ظهرت في أفلام الخيال العلمي.

فيزياء الجاذبية الاصطناعية

تحكم الحركة الدائرية قوانين فيزيائية خاصة، منها القانون الذي يقول إن التسارع المركزي يتناسب طردياً مع مربع السرعة الزاوية ونصف القطر. وهذا يعني بعملية حسابية أنه لتوليد جاذبية اصطناعية على متن مركبة فضائية تعادل الجاذبية الأرضية، يجب أن يكون نصف قطر هذه المحطة 980 متراً، أي ما يعادل طول عشرة ملاعب كرة قدم! وهذا ما يتطلب طاقة هائلة لوضع المحطة الفضائية الضخمة في مدار حول الأرض، وبالتالي ستكون مكلفة للغاية. وأكثر من ذلك، فإن الألمنيوم الموجود في الأرض قد لا يكفي لبناء هذه المحطة الخيالية. لذلك سيتحتم علينا اللجوء إلى التعدين الفضائي واستخراجه من القمر والكويكبات القريبة من الأرض!

وللمقارنة فإن "محطة الفضاء الدولية" الحالية، التي هي بحجم شقة صغيرة قد كلفت أكثر من 150 مليار دولار لبنائها. وعلى هذا نتوقَّع ألا نرى محطة فضائية دوَّارة تولِّد جاذبية اصطناعية تتطابق مع جاذبية الأرض خلال المستقبل القريب، وستكون هذه المشروعات الضخمة مقتصرة على أفلام الخيال العلمي.

جهاز الجاذبية

يعمل فريق من الباحثين في جامعة كولورادو حالياً على تطوير جهاز صغير بحجم رائد فضاء تقريباً، له القدرة على توليد جاذبية اصطناعية شبيهة بجاذبية الأرض، حيث يقضي عليه رائد الفضاء بضع ساعات في كل يوم لتزويده بالجاذبية، مما ينعكس إيجابياً على صحته والبقاء فترة زمنية أطول في الفضاء والسفر بعيداً عن الأرض. وسيكون هذا الجهاز مناسباً لمحطات الفضاء المستقبلية، والقواعد القمرية، والمستوطنات المريخية.

يقوم عمل هذا الجهاز على مبدأ قوة الطرد المركزي، حيث يبدأ الجهاز بالدوران ببطء ثم يزيد من تسارعه، ويدور بمعدل 15 إلى 17 دورة في الدقيقة، وأوضح تورين كلارك وهو أحد أعضاء الفريق أن سرعة الدوران التي يولدها الجهاز تدفع قدميه نحو قاعدة المنصة، وقد أضاف كلارك أن الجهاز تواجهه مشكلة اضطراب في الأذن الداخلية بحيث إنه يجعلك تشعر وكأنك تهبط. وهذه الحالة مألوفة في بيئة الدوران السريع مثل الألعاب الدوَّارة الموجودة في مدن الألعاب. وعلى الرغم من أن نتائج الأبحاث التي أجريت على المتطوعين تشير إلى إمكانية التكيُّف مع هذه الحالة، إلا أن الفريق يأمل في تجاوز وَحَلّ هذه المشكلة وجعل الجاذبية الاصطناعية واقعاً لمستقبل السفر إلى الفضاء.

الجاذبية السلبية

إذا اكتشفنا في يوم ما جسيمات ذات كتلة سلبية ربما نكون قاب قوسين من تحقيق هدفنا والحصول على الجاذبية الاصطناعية. والكتلة السلبية هي شكل افتراضي للمادة تمتلك جاذبية سلبية على عكس المادة المألوفة لدينا، فإذا تم دفع كتلة سلبية فسوف تتسارع صوبك بدلاً من الابتعاد عنك، أي إنه عندما يتم تطبيق القوة على الكتلة السلبية فإنها تتسارع في الاتجاه المعاكس للقوة. فإذا كان يوجد كوب مصنوع من الكتلة السلبية فعندما تتركه سيسقط إلى الأعلى وليس إلى الأسفل. يبدو ذلك غريباً جداً وغير مألوف لدينا، فجميع الجسيمات والجسيمات المضادة المكتشفة حتى الآن تمتلك كتلة موجبة مثل كتلتي البروتون والبروتون المضاد. لكننا لسنا متأكدين تماماً مما يتعلق بالمادة المضادة.

فهناك تجارب تُجرى حالياً بخصوص ذلك في سيرن في سويسرا، حيث يتم عزل الهيدروجين المضاد عن جميع الجسيمات الأخرى بسرعات منخفضة جداً، لدرجة تجعله حساساً للجاذبية. مما يمكننا من قياس الاتجاه الذي يسقط فيه في مجال الجاذبية.

وهناك تقنية جديدة وواعدة تم تطويرها في عام 2018م، لاختبار السقوط الحر للمادة المضادة، وقد تم الإعلان عنها في سيرن في شهر فبراير من عام 2021م، ومن المرجّح أن تُجرى تجربة تأثير الجاذبية على المادة المضادة باستخدام هذه التقنية في عام 2022م. وتم نشر ورقة بحثية حديثة حول هذه التقنية في مجلة "كومونيكيشن فيزيكس".

إن مسألة ما إذا كانت المادة المضادة تسقط في مجال الجاذبية الأرضية بنفس تسارع المادة العادية، أو أنها ترتفع للأعلى ليس لها إجابة تجريبية مباشرة حتى الآن. فإذا اكتشفنا في المستقبل نوعاً من المادة المضادة لها كتلة جاذبية سلبية، ستصبح الجاذبية الاصطناعية إمكانية فيزيائية. فمن الناحية النظرية، سيتم تصنيع غرفة بحيث يكون سقفها من المادة المضادة بينما قاعدتها من المادة العادية، وستقوم هذه الغرفة التخيلية بتوليد مجال جاذبية اصطناعي، تجذب من يكون داخلها إلى الأسفل دائماً، لكن الحصول على المادة المضادة بكمية كافية في المستقبل القريب ما زال بعيد المنال؛ لذلك ستكون هذه الفكرة مرتبطة بالخيال العلمي لوقت طويل.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية