.
.
.
.

ماذا لو قضى الطب على المرض؟

الأمراض هي العدو الأول للإنسان، لأن ضحاياها تفوق بمرات ضحايا الحروب والحوادث

نشر في: آخر تحديث:

يَعُدُّ معظم الناس أن الأمراض هي العدو الأول للإنسان، لأن ضحاياها تفوق بمرات ضحايا الحروب والحوادث. إذ إن جائحة الإنفلونزا الإسبانية على سبيل المثال قضت في عامي 1918 و1919م على 50 مليون نسمة في العالم وفق أقل التقديرات. وعلى الرغم من ذلك، هل من الحكمة استئصال المرض؟ وهل بإمكان الطب القيام بذلك؟

الرأي الأول بهذا الخصوص جاء من العالِم الفرنسي لويس باستور بعد توصله إلى نظرية جرثومية المرض عام 1861م، التي تفيد أن المرض هو نتيجة كائنات دقيقة موجودة خارج الجسم: "بإمكان الإنسان استئصال العدوى من الأرض".

وبالفعل، اكتمل في عام 1979م استئصال مرض الجدري، وهو انتصار كبير للعلم والإنسانية. لكن هذا العمل الفذّ المثير للإعجاب لم يتكرَّر إلا مرَّة واحدة منذ ذلك الحين، مع القضاء على فيروس الطاعون البقري في عام 2011م.

على الرغم من هذا الإنجاز، يُجمِع علماء اليوم من معظم التخصصات ذات العلاقة على مخالفة باستور الرأي على مستويين: أولاً، من الصعب إلى حدود الاستحالة القضاء على الأمراض جميعها؛ وثانياً، حتى ولو أصبحت لدينا حبة سحرية تخلِّصنا من جميع الأمراض، فليس من الحكمة استخدامها.

صعوبة استئصال الأمراض

هناك أمراض فيروسية يبدو من المستحيل القضاء عليها بسبب خصائص معينة لمسبباتها، مثل فيروس "الهربس" ذي التكوين البسيط الكامن في الخلايا العصبية، حيث يمكن من هذا المكان، إعادة تنشيط عدواه. وبما أنه لا يمكن تحديد الأفراد المصابين سريرياً في حالة الكمون، يصبح هؤلاء معديين عند إعادة تنشيط الفيروس.

كما تمثِّل البكتيريا مشكلة أكبر من ذلك. إذ على عكس الفيروسات، فإن القليل من البكتيريا المسبِّبة للأمراض تحتاج إلى مضيف، لأن أكثريتها انتهازية. أي يمكنها أن تكون أحد مكونات النباتات الطبيعية ولا يمكن التعرُّف عليها، وتسبب المرض فقط إذا كان المضيف يعاني من نقص المناعة. وفي هذه الحالة من الصعوبة بمكان استئصالها.

مخاطر استئصالها

لكن إذا تمكَّن الطب من امتلاك تقنية غير معروفة حتى اليوم لاستئصال المرض، فسيؤدي ذلك إلى انهيار اقتصادي. إذ سيصبح العاملون في الرعاية الصحية، الذين تقدِّر منظمة الصحة العالمية عددهم بنحو 59 مليون شخص، عاطلين عن العمل، وسيلحق بهم عشرات الملايين من العاملين في عدد كبير من الصناعات ذات العلاقة مثل شركات الأدوية والتعليم الجامعي وغيرها. ولكن بطالة عشرات الملايين ستكون أبسط المشكلات.

فعلى صعيد الحياة، كما يقول توني جولدبيرج، عالِم الأوبئة بجامعة ويسكونسن ماديسون: "إذا اختفت جميع الفيروسات فجأة، فسيكون العالم مكاناً رائعاً لمدة يوم ونصف اليوم تقريباً، وبعد ذلك نموت جميعاً، هذا هو بيت القصيد. كل الأشياء الأساسية التي تقوم بها (الميكروبات) في العالم تفوق بكثير الأشياء السيئة".

إن الغالبية العظمى من الفيروسات ليست مسبِّبة للأمراض البشرية، وعديد منها يلعب أدواراً متكاملة في دعم النظم البيئية. وتحافظ فيروسات أخرى على صحة الكائنات الحية من الفطريات والنباتات إلى الحشرات والبشر. وتؤكد على ذلك عالِمة الفيروسات في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك سوزانا لوبيز شاريتون بقولها: "نحن نعيش في توازن مثالي، والفيروسات جزء من ذلك. أعتقد أننا سننتهي من دون فيروسات".

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية