.
.
.
.

سيرة ذاتية لغيمة

نشر في: آخر تحديث:

عن كلّ الأسئلةِ التي يُقدِّمها المَطر، كل الكناياتِ التي رافقتني عمراً، ما ترمز لهُ غيمة ولم أنتبهْ، وما يتداعى من هطولهِا وبقاياها وغيابها، ما يعود بك إلى الذاكرة، إلى الطفولة، وإلى الأسئلة الأولى حين أطلقها إلى السماء..

على صوتِ المطرِ كتبتُ هذا النّص، على إيقاعهِ المختلفِ حينَ يتساقطُ على كلِ شيءٍ.. الأشجَار، الأسمَنت، المَصابيح، المارة..
وكنتُ أحاولُ أن أستَعيدَ كلَّ لحظاتي تلكَ.

محمد خضر
محمد خضر

ولادة

يولد الغيمُ ناضجاً
مزدحماً بقصص الأقدار
ودعاء الفقراء والعشاق
يولد قطعة.. قطعة
قبل أن تثقبه
شغف البساتين
ومنابت النعناع
في أصص الجدات..
أحياناً ولأن الأمكنة أتخمت بالعطش
بالدلاء الخاوية
بالأكف التي لطختها العتمة
أحياناً
تسيل الوديان
ماء يتلون بالشجر
يتلون بالتراب ويمارس التحولات
في الأوجه والأفكار
والرقصة والعقل
يهطل ويملأ الجرار البعيدة المهملة
يملأُ بئراً مهجورأً
وكوباً منسياً في البلكونة
وكفاً امتدت دون قصد
لتنجو...
تولد غيمة.. تتكاثر مطراً على كل شيء
تملأ النصف لفارغ من العتمة
والفراغ الوشيك بين صخرتين
يقول كل مالديه ويمضي
تاركاً لهذه البلدة
أن تتعلم الدرس من جديد

غيمة

من قبل أن تعرف أنها ستمضي
نحو الجبال الجرداء
من قبل أن تكبر .. تكبر
ويكسوها السواد
من صغرها حين كانت فكرة
لرياح عاتية
وهي تدرك أن المعنى في البذرة
في شجرة على وشك الموت
في وردة مغلفة لحفل ميلاد
وفي فكرة أن تتوقف العتمة قليلاً عن هذه البلدة
قليلاً لتكون الحياة صالحة لعصفورين على غصن
صالحة لكتابة قصة ع الحب
صالحة لتداوي الأزمنة تشوهات الروح ..

منذ أن كانت الغيمة
فكرة غير مكتملة في السماء
والعتمة تمارس الجفاف والجوع والظمأ
تمارسه في الشكل والناس والسوق
والخبر الصحفي والأقدار
والخير والشر والصور و ..
تمارسه بالنار واللهيب
لذا كانت تسور السماء
بمصدات من الفولاذ
كي تبقى الغيمة محض قصة
وكي يصبح المطر محض انسكاب

قحط

كلما تأخر المطر
مات بستان من الفقد
وآخر من الضياع
كلما تأخر ..
فقد الفلاح بوصلة الفأس
وفقدت البلدة أغنياتها
كلما تأخر
تراكمت العتمة
وباتت مخالبها في الأحلام
نكأت قصص التاريخ من جديد
وشيدت جداراً جديداً
ممتداً وصلباً
يحيط ضواحيها وجبالها
يمتد الى قراها الناعمة البعيدة
ذات البيوت المترامية القليلة
البيوت التي تنجو قليلاً لأنها بعيدة
وتنجو لأن العتمة تغلبها الفطرة
ويغلبها السماح والشعر
كلما تأخر المطر
زادت قسوة الحجر
وسقطت الموهبة عمياء
من قمة الجبل
وانزلقت على حين غرة فكرة الضوء
نحو سرداب عميق
كلما تأخر .. سددنامن أرواحنا خسائر الجفاف
جبرنا كسراً للعابرين
وجرحاً للمندهشين من شدة الحياة
قلنا لهمهمساً احلموا على الأقل
تسربوا من ثقب صغير في الهامش
وإياكم أن تغيروا أوجهكم
دون أن تحملوا في الذاكرة نسخة أصلية
إياكم فكم من خائف
نسي الوجه والجهة والطريق ولم يعد
قلنا لهم لو تأخر المطر أكثر
لو ..
لكم أن تبدأوا الصراخ
أن تبتكروا ضوءًا
وأن تهدموا النفق
أن تقذفوا بوصايانا إلى الجحيم
وتختاروا جحيماً يناسبكم
أن تأخذونا إلى اللعنات
نحن المصابون بالجفاف
الذين بترت العتمة
أطراف أجنحتهم

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية