.
.
.
.

ماذا لو.. ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نشعر‭ ‬بالألم؟

يعود‭ ‬سبب‭ ‬شعورنا‭ ‬بالألم‭ ‬إلى‭ ‬تصرف‭ ‬خلايا‭ ‬الألم‭ ‬العصبية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬أنحاء‭ ‬أجسادنا‭ ‬من‭ ‬الجلد‭ ‬إلى‭ ‬النخاع‭ ‬الشوكي.. عدم‭ ‬شعورنا‭ ‬بالألم‭ ‬يفقدنا‭ ‬التفريق‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نقوم‭ ‬به‭ ‬بين‭ ‬احتمالاته‭ ‬الخطرة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬غيرها

نشر في: آخر تحديث:

يفعل‭ ‬معظمنا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعه‭ ‬لتجنب‭ ‬الألم،‭ ‬معتقدين‭ ‬ربما‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬الخالية‭ ‬منه‭ ‬هي‭ ‬حياة‭ ‬سعيدة‭. ‬وللتخفيف‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬إزالته،‭ ‬يستهلك‭ ‬البشر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬حوالي‭ ‬14‭ ‬مليار‭ ‬جرعة‭ ‬من‭ ‬مسكنات‭ ‬الألم،‭ ‬حسب‭ ‬الـ‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭. ‬لكن‭ ‬مهلاً،‭ ‬عندما‭ ‬نعرف‭ ‬ماهية‭ ‬الألم‭ ‬الحقيقية‭ ‬نتيقن‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ألم‭ ‬ستكون‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬هي‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤلم‭.‬

يعود‭ ‬سبب‭ ‬شعورنا‭ ‬بالألم‭ ‬إلى‭ ‬تصرف‭ ‬خلايا‭ ‬الألم‭ ‬العصبية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬أنحاء‭ ‬أجسادنا‭ ‬من‭ ‬الجلد‭ ‬إلى‭ ‬النخاع‭ ‬الشوكي.‭ ‬ووظيفة‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬الرئيسة‭ ‬هي‭ ‬إخبارنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬شيئاً‭ ‬ما‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬أجسادنا‭. ‬والجدير‭ ‬ذكره‭ ‬أن‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬لا‭ ‬يشعرون‭ ‬بالألم،‭ ‬وتُعرف‭ ‬حالتهم‭ ‬بـ‭"‬اللاشعور‭ ‬بالألم‭ ‬الخُلُقي‭". ‬يرى‭ ‬هؤلاء،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬عدة‭ ‬أبحاثٍ،‭ ‬أن‭ ‬حالتهم‭ ‬هي‭ ‬نقمة‭ ‬وليست‭ ‬نعمة‭.‬

يقول‭ ‬الدكتور‭ ‬إينجو‭ ‬كورت،‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬علم‭ ‬الوراثة‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬آخن،‭ ‬ألمانيا‭: "‬نخشى‭ ‬الألم،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬كونك‭ ‬طفلاً‭ ‬حتى‭ ‬مرحلة‭ ‬الشباب،‭ ‬فإن‭ ‬الألم‭ ‬مهم‭ ‬للغاية‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تعلُّم‭ ‬كيفية‭ ‬تعديل‭ ‬نشاطك‭ ‬البدني‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بجسمك،‭ ‬وفي‭ ‬تحديد‭ ‬مقدار‭ ‬المخاطرة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تتخطاها‭".‬

يخبرنا‭ ‬الألم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أشياءً‭ ‬تحصل‭ ‬معنا‭ ‬ويجب‭ ‬ألَّا‭ ‬نكررها‭ ‬لأن‭ ‬تكرارها‭ ‬يشكِّل‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬وجودنا،‭ ‬بعض‭ ‬الأمثلة‭ ‬عما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬معنا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نشعر‭ ‬بالألم‭: ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسير‭ ‬على‭ ‬مسامير‭ ‬تخترق‭ ‬أقدامنا‭ ‬مسببة‭ ‬جروحاً‭ ‬قاتلة،‭ ‬ولا‭ ‬نعرف‭ ‬عنها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬التحرك‭. ‬

ربما‭ ‬تسبِّب‭ ‬صدمة‭ ‬معيَّنة‭ ‬كسراً‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أضلاعنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬لنا،‭ ‬يتفاقم‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬مسبباً‭ ‬غرغرينا‭ ‬التي‭ ‬تشكِّل‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬الحياة‭.‬

قد‭ ‬يعاني‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحروق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الاستحمام؛‭ ‬ربما‭ ‬يحرقون‭ ‬أفواههم‭ ‬عند‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭. ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يعاني‭ ‬الأطفال‭ ‬المصابون‭ ‬بهذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬تلف‭ ‬داخل‭ ‬وحول‭ ‬تجويف‭ ‬الفم،‭ ‬كعض‭ ‬طرف‭ ‬لسانهم،‭ ‬أو‭ ‬حدوث‭ ‬كسور‭ ‬في‭ ‬العظام‭ ‬وتستمر‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬دون‭ ‬ملاحظتها،‭ ‬حيث‭ ‬تشكِّل‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬الصحة‭. ‬

عدم‭ ‬شعورنا‭ ‬بالألم‭ ‬يفقدنا‭ ‬التفريق‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نقوم‭ ‬به‭ ‬بين‭ ‬احتمالاته‭ ‬الخطرة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬الدكتور‭ ‬جيف‭ ‬وودز،‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬الألم‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬كامبريدج‭ ‬للأبحاث‭ ‬الطبية‭: "‬من‭ ‬بين‭ ‬مرضى‭ ‬اللاشعور‭ ‬بالألم‭ ‬الخُلُقي‭ ‬الذين‭ ‬عملت‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬قَتَل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العشرينيات‭ ‬من‭ ‬عمرهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القيام‭ ‬بأشياء‭ ‬خطيرة‭ ‬للغاية،‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يرتدعوا‭ ‬بالألم،‭ ‬أو‭ ‬لديهم‭ ‬مفاصل‭ ‬تالفة‭ ‬لدرجة‭ ‬أنهم‭ ‬مقيدون‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬متحرك؛‭ ‬وينتهي‭ ‬بهم‭ ‬الأمر‭ ‬بالانتحار‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يتمتعون‭ ‬بنوعية‭ ‬الحياة‭".‬

الألم‭ ‬العاطفي

عن‭ ‬الألم‭ ‬العاطفي،‭ ‬فإن‭ ‬الإجابة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الأساس‭. ‬للعمل‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬اليوم،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدى‭ ‬الشخص‭ ‬حس‭ ‬وفهم‭ ‬للتفاعلات‭ ‬العاطفية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬لذا،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الألم‭ ‬الجسدي،‭ ‬فإن‭ ‬الألم‭ ‬العاطفي‭ ‬هو‭ ‬وعي‭ ‬قوي‭ ‬جداً‭ ‬بموقف‭ ‬اجتماعي‭ ‬أو‭ ‬عاطفي‭ ‬يكون‭ ‬مسيئاً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬خطيراً؛‭ ‬فدون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بذلك،‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬الشخص‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬سيئة‭ ‬أو‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬أشخاص‭ ‬خطرين‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬خطرة‭. ‬

وعندما‭ ‬نفقد‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬نفقد‭ ‬الشعور‭ ‬بالفرح‭ ‬والامتنان‭ ‬والرحمة‭ ‬والمرح‭ ‬والتشاعر‭ ‬والحب،‭ ‬وربما‭ ‬تتفكك‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

الألم‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬غريزة‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة؛‭ ‬لذلك،‭ ‬ربما‭ ‬يُعرِّض‭ ‬عدم‭ ‬الشعور‭ ‬به‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭ ‬لخطر‭ ‬الانقراض‭. ‬

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية