.
.
.
.

حياتنا اليوم.. أين‭ ‬يكمن‭ ‬سحر‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية؟

لطالما‭ ‬عاش‭ ‬البشر‭ ‬بين‭ ‬أنقاض‭ ‬المعالِم‭ ‬الأثرية،‭ ‬من‭ ‬الحدائق‭ ‬المتشابكة‭ ‬في‭ ‬الكولوسيوم‭ ‬وسط‭ ‬مدينة‭ ‬روما‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬ماتشو‭ ‬بيتشو‭ ‬الشاهقة‭ ‬المعروفة‭ ‬بـ‭"‬القلعة‭ ‬الضائعة‭" ‬التي‭ ‬بنتها‭ ‬شعوب‭ ‬الإنكا‭ ‬في‭ ‬البيرو،‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬مدينة‭ ‬العُلا‭ ‬السعودية‭ ‬وكل‭ ‬التكوينات‭ ‬الصخرية‭ ‬الملحمية‭ ‬الموجودة‭ ‬فيها‭ ‬

نشر في: آخر تحديث:

إنها‭ ‬بقايا‭ ‬مدن‭ ‬اندثرت‭ ‬وقلاع‭ ‬شيِّدت‭ ‬وهياكل‭ ‬نُصبت‭ ‬وأضرحة‭ ‬بُنيت‭ ‬ولكنها‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬لتتحدَّى‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭ ‬وقوة‭ ‬الطبيعة‭ ‬وعبث‭ ‬البشر،‭ ‬هي‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ضاع‭ ‬ومضى‭ ‬وعلى‭ ‬حضارات‭ ‬وشعوب‭ ‬وأشخاص‭ ‬عاشوا‭ ‬داخل‭ ‬جدرانها‭ ‬المتصدِّعة‭ ‬لتخبرنا‭ ‬عن‭ ‬الصعاب‭ ‬التي‭ ‬اختبروها‭ ‬والانتصارات‭ ‬التي‭ ‬حققوها‭ ‬والثقافات‭ ‬التي‭ ‬خلَّفوها‭. ‬كل‭ ‬معلم‭ ‬من‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬يفتح‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬حقبة‭ ‬تاريخية‭ ‬انقضت‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬صمته‭ ‬وفراغه‭ ‬وغموضه‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬سحراً‭ ‬غريباً‭ ‬ويولد‭ ‬أحاسيس‭ ‬بالرهبة‭ ‬والحنين‭ ‬والخوف‭ ‬والكآبة‭ ‬"المفعمة‭ ‬بالحيوية‭."

لطالما‭ ‬عاش‭ ‬البشر‭ ‬بين‭ ‬أنقاض‭ ‬المعالِم‭ ‬الأثرية،‭ ‬من‭ ‬الحدائق‭ ‬المتشابكة‭ ‬في‭ ‬الكولوسيوم‭ ‬وسط‭ ‬مدينة‭ ‬روما‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬ماتشو‭ ‬بيتشو‭ ‬الشاهقة‭ ‬المعروفة‭ ‬بـ‭"‬القلعة‭ ‬الضائعة‭" ‬التي‭ ‬بنتها‭ ‬شعوب‭ ‬الإنكا‭ ‬في‭ ‬البيرو،‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬مدينة‭ ‬العُلا‭ ‬السعودية‭ ‬وكل‭ ‬التكوينات‭ ‬الصخرية‭ ‬الملحمية‭ ‬الموجودة‭ ‬فيها‭ ‬وإلى‭ ‬بيوت‭ ‬مدينة‭ ‬البتراء‭ ‬البديعة‭ ‬المحفورة‭ ‬في‭ ‬الصخر‭ ‬الوردي‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬حضارة‭ ‬الأنباط‭ ‬جنوبي‭ ‬المملكة‭ ‬الأردنية‭ ‬الهاشمية،‭ ‬التي‭ ‬كلما‭ ‬مررنا‭ ‬بها‭ ‬أجبرتنا‭ ‬على‭ ‬التوقف‭ ‬لاستعادة‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬السكون‭ ‬وسط‭ ‬اندفاع‭ ‬الحياة‭ ‬الحديثة‭. ‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تبعثه‭ ‬تلك‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬فينا‭ ‬هو‭ ‬الإحساس‭ ‬بالرهبة‭ ‬والخوف‭ ‬وذلك‭ ‬منذ‭ ‬حضارات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأكثر‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬إحدى‭ ‬القطع‭ ‬الأثرية‭ ‬القديمة‭ ‬المتمثلة‭ ‬بـ‭"‬خريطة‭ ‬العالم‭ ‬البابلية‭" ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬لوح‭ ‬طيني‭ ‬خُططت‭ ‬فيه‭ ‬أماكن‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬حول‭ ‬مدينة‭ ‬بابل‭ (‬وهي‭ ‬موجودة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬البريطاني‭). ‬تُظهر‭ ‬الخريطة‭ ‬كيف‭ ‬تخيَّل‭ ‬البابليون‭ ‬القدماء‭ ‬أقطاب‭ ‬الأرض‭ ‬الأربعة‭ ‬وكيف‭ ‬أظهروا‭ ‬خشيتهم‭ ‬من‭ ‬أنقاض‭ ‬الحضارات‭ ‬السومرية‭ ‬والآشورية‭ ‬السابقة،‭ ‬فقد‭ ‬صوَّروها‭ ‬كأمكنة‭ ‬مليئة‭ ‬بالثعابين‭ ‬والتنانين‭ ‬ورجال‭ ‬العقارب‭ ‬ووصفوا‭ ‬المناطق‭ ‬الشمالية‭ ‬البعيدة‭ "‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬الشمس‭ ‬أبداً‭" ‬وجسماً‭ ‬عظيماً‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ "‬النهر‭ ‬المر‭".‬

تعبيرية
تعبيرية

كما‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الخريطة‭ ‬تُعد‭ ‬أيضاً‭ ‬مرجعاً‭ ‬مثيراً‭ ‬للفضول‭ ‬كونها‭ ‬تصف‭ "‬المدن‭ ‬المدمرة‭.. ‬التي‭ ‬ترقبها‭.. ‬الآلهة‭ ‬المدمرة‭"‬،‭ ‬إذ‭ ‬بحلول‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬وُضعت‭ ‬فيه‭ ‬تلك‭ ‬الخريطة،‭ ‬كانت‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬أور‭ ‬وأوروك‭ ‬ونينوى‭ ‬قد‭ ‬دُمِّرت‭ ‬بالفعل‭ ‬وأصبحت‭ ‬مهجورة‭ ‬لأسباب‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬حروب‭ ‬كارثية‭ ‬وتناثرت‭ ‬بقاياها‭ ‬وسط‭ ‬المناظر‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وكان‭ ‬البابليون‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن‭ ‬المدمرة‭ ‬هي‭ ‬أماكن‭ ‬للسحر‭ ‬والشعوذة‭ ‬وملاذات‭ ‬للأشباح‭ ‬والأرواح‭ ‬الشريرة‭. ‬وتأكيداً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬عندما‭ ‬فرَّ‭ ‬البطل‭ ‬الإغريقي‭ ‬زينوفون‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬إلى‭ ‬اليونان‭ ‬بعد‭ ‬حملة‭ ‬فاشلة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬فارس‭ ‬سار‭ ‬هو‭ ‬ورفاقه‭ ‬المحاربون‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭ ‬المدمرة‭ ‬وقد‭ ‬وصف‭ ‬أنقاض‭ ‬مدينة‭ ‬نينوى‭ ‬بقوله‭ ‬إنها‭ "‬معقل‭ ‬كبير،‭ ‬مهجور‭.. ‬أساس‭ ‬جدارها‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬المصقول‭ ‬تتخلله‭ ‬فوهات‭ ‬المدافع‭ ‬ويبلغ‭ ‬عرضه‭ ‬50‭ ‬قدماً‭ ‬وارتفاعه‭ ‬50‭ ‬قدماً‭". ‬كما‭ ‬يصف‭ ‬زينوفون‭ ‬فراغ‭ ‬المكان‭ ‬المهجور‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬السكان‭ ‬المحليون‭ ‬يخشون‭ ‬دخول‭ ‬الموقع‭ ‬المدمر‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الأشباح‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنها‭ ‬تتجول‭ ‬فيه‭.‬

الفن‭ ‬والشعر‭ ‬وسِحر‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية

وبما‭ ‬أن‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬حدِّ‭ ‬ذاتها‭ ‬هي‭ ‬هياكل‭ ‬صامتة‭ ‬ناقصة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬تقف‭ ‬مجرد‭ ‬رمز‭ ‬لكيان‭ ‬تصدَّع‭ ‬وتلاشى‭ ‬فهي‭ ‬تنتظر‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬ملء‭ ‬فراغاتها‭ ‬وإتمام‭ ‬نواقصها‭ ‬لإضفاء‭ ‬المعاني‭ ‬عليها‭ ‬وصياغة‭ ‬القصص‭ ‬وسرد‭ ‬الروايات‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬سبب‭ ‬وجودها‭ ‬وتحدِّد‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬حوَّلتها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أنقاض‭ ‬منسية‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الزمن‭. ‬وربما‭ ‬لأنها‭ ‬كذلك‭ ‬فقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالخيال‭ ‬والأحلام‭ ‬وكانت‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬والقصائد‭ ‬الشعرية،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وجد‭ ‬الشعراء‭ ‬القدامى‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬أنقاض‭ ‬سومر‭ ‬وآشور‭ ‬وبابل،‭ ‬فأخبروا‭ ‬قصصاً‭ ‬عن‭ ‬غضب‭ ‬الله‭ ‬وعن‭ ‬برج‭ ‬بابل‭ ‬وسدوم‭ ‬وعمورة‭ ‬لتفسير‭ ‬بقاء‭ ‬آثارها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مبعثرة‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬شمالي‭ ‬شرقي‭ ‬البحر‭ ‬الميت،‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بعدة‭ ‬قرون‭ ‬استمر‭ ‬الشعراء‭ ‬بتصوير‭ ‬الآثار‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أماكن‭ ‬خارج‭ ‬الزمن‭ ‬ينجذبون‭ ‬إليها‭ ‬ويحدِّقون‭ ‬بها‭ ‬ليسترسلوا‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬أفكارهم،‭ ‬ففي‭ ‬الألفية‭ ‬الأولى،‭ ‬اتخذت‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬دورها‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭. ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬شعراء‭ ‬الجاهلية‭ ‬كامرئ‭ ‬القيس‭ ‬وطرفة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭ ‬مرثيات‭ ‬ترتكز‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬الأطلال‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬ديار‭ ‬الأحبة‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬شعر‭ ‬المعلَّقات‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بالأطلال‭ ‬أو‭ ‬آثار‭ ‬الديار‭. ‬فها‭ ‬هو‭ ‬شاعرنا‭ ‬الكبير‭ ‬امرؤ‭ ‬القيس‭ ‬يفتتح‭ ‬معلقته‭ ‬بوقوفه‭ ‬على‭ ‬أطلال‭ ‬منزل‭ ‬محبوبته‭ ‬التي‭ ‬غابت‭ ‬ويستذكر‭ ‬حبه‭ ‬الضائع‭ ‬بقوله‭:‬

قِفَا‭ ‬نَبْكِ‭ ‬مِنْ‭ ‬ذِكْرَى‭ ‬حَبِيبٍ‭ ‬ومَنْــزِلِ
بِسِقْطِ‭ ‬اللِّوَى‭ ‬بَيْنَ‭ ‬الدَّخُول‭ ‬فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ‭ ‬فَالمِقْراةِ‭ ‬لمْ‭ ‬يَعْفُ‭ ‬رَسْمُها
لِمَا‭ ‬نَسَجَتْهَا‭ ‬مِنْ‭ ‬جَنُوبٍ‭ ‬وشَمْـــــألِ
تَرَى‭ ‬بَعَرَ‭ ‬الآرَامِ‭ ‬فِي‭ ‬عَرَصَــاتِهَــــا
وَقِيْعَانِهَا‭ ‬كَأنَّهُ‭ ‬حَــبُّ‭ ‬فُلْفُــــــــــلِ

والجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أشعار‭ ‬المعلَّقات‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الأطلال‭ ‬طيفية‭ ‬وعابرة‭ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬تعبير‭ ‬طرفة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ "‬لِخَولةَ‭ ‬أطْلالٌ‭ ‬بِبُرقَةِ‭ ‬ثَهمَدِ،‭ ‬تلوح‭ ‬كباقي‭ ‬الوشم‭ ‬في‭ ‬ظاهر‭ ‬اليدِ‭". ‬

وفي‭ ‬أمكنة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬أظهرت‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬آثار‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬أماكن‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالسحر‭ ‬وأساطير‭ ‬الملك‭ ‬آرثر،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬أول‭ ‬صورة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬ستونهنج،‭ ‬وهو‭ ‬أثر‭ ‬صخري‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬ويلتشير‭ ‬جنوب‭ ‬غرب‭ ‬إنجلترا،‭ ‬تُظهر‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬إنشاؤه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ساحر‭ ‬يدعى‭ "‬مرلين‭" ‬بمساعدة‭ ‬عمالقة‭ ‬بهيئات‭ ‬غريبة‭. ‬ولكن‭ ‬التمثيل‭ ‬الفني‭ ‬الحقيقي‭ ‬للآثار‭ ‬لم‭ ‬يبدأ‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬عصر‭ ‬النهضة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬أنقاض‭ ‬الحضارة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬رموزاً‭ ‬للتنوير‭ ‬ومستودعات‭ ‬للمعرفة‭ ‬المفقودة‭.‬

تعبيرية
تعبيرية

سحر‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬فني

ولكن‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬تتبع‭ ‬سحر‭ ‬المعالِم‭ ‬الأثرية‭ ‬الظاهر‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬والأدب‭ ‬هناك‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإنساني‭ ‬الأعمق‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬المعالم‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬رؤيتها‭ ‬أينما‭ ‬كانت‭. ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬السؤال‭: ‬ما‭ ‬سر‭ ‬انجذابنا‭ ‬إلى‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية؟‭ ‬هل‭ ‬لأننا‭ ‬نحاول‭ ‬سماع‭ ‬أصداء‭ ‬زوالها‭ ‬وانحلالها‭ ‬وربما‭ ‬فنائنا‭ ‬نحن‭ ‬أيضاً‭ ‬كبشر؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬نتأثر‭ ‬بآثار‭ ‬الماضي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يختف‭ ‬تماماً‭ ‬ونحاول‭ ‬قراءة‭ ‬الرسائل‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬حقبة‭ ‬يتعذَّر‭ ‬وصولنا‭ ‬إليها‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى؟‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬صاغ‭ ‬الألمان‭ ‬مصطلحاً‭ ‬جديداً‭ ‬وهو‭ ‬Ruinenlust‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬حرفياً‭ "‬شهوة‭ ‬الأنقاض‭" ‬حيث‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬كلمتا‭ "‬أنقاض‭" ‬و‭"‬شهوة‭" ‬في‭ ‬قاسم‭ ‬مشترك‭ ‬أساسي‭ ‬وهو‭ ‬العلاقة‭ ‬المعقَّدة‭ ‬بين‭ ‬المادة‭ ‬والتمثيل‭. ‬فالأنقاض‭ ‬شيء‭ ‬مادي‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬معيَّنة‭ ‬ترتسم‭ ‬عليها‭ ‬ندوب‭ ‬الزمن‭ ‬لتؤكد‭ ‬أنها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬ولتكون‭ ‬رمزاً‭ ‬مباشراً‭ ‬للحياة‭ ‬والموت،‭ ‬أما‭ ‬الشهوة‭ ‬فهو‭ ‬مصطلح‭ ‬مشبع‭ ‬بالرومانسية‭ ‬وتهميش‭ ‬الزمن،‭ ‬إذ‭ ‬ترتبط‭ ‬الشهوة‭ ‬ارتباطاً‭ ‬مباشراً‭ ‬بالرغبة‭ ‬وهي‭ ‬تجربة‭ ‬جمالية‭ ‬للتوق‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬للاستهلاك‭ ‬أمامنا‭. ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الإحساس‭ ‬الذي‭ ‬نشعر‭ ‬به‭ ‬مع‭ ‬الشهوة،‭ ‬فإن‭ "‬الأنقاض‭" ‬تكون‭ ‬مصدراً‭ ‬لافتناننا‭ ‬بكيان‭ ‬غير‭ ‬حاضر‭ ‬ولكنه‭ ‬مجرد‭ ‬أثر‭ ‬رمزي‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬وعينا‭. ‬يقول‭ ‬الناقد‭ ‬والكاتب‭ ‬براين‭ ‬ديلون‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ "‬شهوة‭ ‬الأنقاض‭" ‬الذي‭ ‬استمد‭ ‬عنوانه‭ ‬من‭ ‬المصطلح‭ ‬الألماني‭ ‬نفسه‭ ‬إن‭ ‬قيمة‭ ‬الآثار‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬السماح‭ ‬لنا‭ ‬بالانتقال‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬وبأن‭ ‬انجذابنا‭ ‬إليها‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬تذكِّرنا‭ ‬بـ‭"‬مجد‭ ‬الحضارات‭ ‬الزائلة‭ ‬والنهايات‭ ‬الأكيدة‭ ‬لحضاراتنا،‭ ‬وهي‭ ‬تقف‭ ‬كنصب‭ ‬تذكارية‭ ‬للكوارث‭ ‬التاريخية،‭ ‬ولكنها‭ ‬تثير‭ ‬أيضاً‭ ‬أحلاماً‭ ‬حول‭ ‬المستقبل‭ ‬الذي‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬الدمار‭ ‬والزوال‭. ‬فالآثار‭ ‬قاتمة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬وتذكرنا‭ ‬دائماً‭ ‬بموقعنا‭ ‬الهش‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭".‬

مصدر‭ ‬تذكير‭ ‬بفنائنا‭ ‬وفناء‭ ‬حضاراتنا

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬تذكِّرنا‭ ‬حتماً‭ ‬بفنائنا‭ ‬نحن‭ ‬كبشر‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بدأت‭ ‬رسوم‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬بالظهور‭ ‬في‭ ‬خلفيات‭ ‬الرسومات‭ ‬المختصة‭ ‬بعلم‭ ‬التشريح‭ ‬البشري‭ ‬لتذكِّر‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يطلع‭ ‬عليها‭ ‬بأنه،‭ ‬مثلما‭ ‬تحوَّلت‭ ‬تلك‭ ‬المعالم‭ ‬إلى‭ ‬أنقاض‭ ‬متهالكة،‭ ‬سوف‭ ‬يتحلل‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬وبأن‭ ‬الحياة‭ ‬هشة‭ ‬وعابرة‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬أبرز‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كتاب‭ ‬إيطالي‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬التشريح‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬بعنوان‭ ‬De humani corporis fabrica‭ ‬يتضمَّن‭ ‬صوراً‭ ‬عدة‭ ‬لجسم‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬خلفيات‭ ‬لأنقاض‭ ‬أثرية‭ ‬وضعت‭ ‬لهذه‭ ‬الغاية‭ ‬بالتحديد‭.‬

ولكن‭ ‬الأنقاض‭ ‬لا‭ ‬تذكرنا‭ ‬فقط‭ ‬بحتمية‭ ‬فنائنا‭ ‬نحن‭ ‬كبشر‭ ‬بل‭ ‬تقودنا‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬التفكر‭ ‬في‭ ‬موت‭ ‬الحضارات‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها‭ ‬أيضاً‭. ‬عندما‭ ‬زار‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬قسطنطين‭ ‬فرانسوا‭ ‬دي‭ ‬تشاسبيوف‭ ‬آثار‭ ‬مدينة‭ ‬تدمر‭ ‬الرومانية‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬الثمانينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬دفعه‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬معالمها‭ ‬المتهالكة‭ ‬إلى‭ ‬الذهاب‭ ‬بعيداً‭ ‬بأفكاره‭ ‬إلى‭ ‬مدينته‭ ‬باريس‭ ‬ليتصوَّر‭ ‬مستقبلاً‭ ‬تصبح‭ ‬فيه‭ ‬مدينته‭ ‬باريس‭ ‬مدمرة‭ ‬أيضاً،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬حدوث‭ ‬ذلك،‭ ‬فيتخيل‭ ‬نفسه‭ ‬وهو‭ ‬واقف‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬نهر‭ ‬السين‭ ‬متأملاً‭ ‬أطلال‭ ‬باريس‭ ‬المخيفة‭. ‬وما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬دي‭ ‬تشاسبيوف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التأملات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬التي‭ ‬دوَّنها‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬التي‭ ‬سجلها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ "‬الأطلال‭"‬،‭ ‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الأمثلة‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬تَعُدُّ‭ ‬الأنقاض‭ ‬الأثرية‭ ‬كتحذير‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬والتي‭ ‬تقول‭ ‬باستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬إنه‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التقدُّم‭ ‬والتطوُّر‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحرزه‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الحديث‭ ‬فهناك‭ ‬دائماً‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يتلاشى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬كما‭ ‬تلاشت‭ ‬الحضارات‭ ‬الإغريقية‭ ‬والرومانية‭ ‬والفرعونية‭ ‬وغيرها‭ ‬كثير‭. ‬

الأنقاض‭ ‬ومفارقة‭ ‬المأساة

من‭ ‬الناحية‭ ‬الجمالية‭ ‬البحتة،‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬أعمدة‭ ‬مهدَّمة‭ ‬ومعابد‭ ‬متهالكة‭ ‬وهياكل‭ ‬لا‭ ‬سقف‭ ‬لها‭ ‬وقلاع‭ ‬حجرية‭ ‬متداعية‭ ‬وأبواب‭ ‬مقلوعة‭ ‬ونوافذ‭ ‬معتمة‭ ‬وبقايا‭ ‬مبعثرة‭ ‬ينمو‭ ‬عليها‭ ‬العشب‭ ‬لقدمها،‭ ‬فهي‭ ‬مظلمة‭ ‬مقفرة‭ ‬كئيبة‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬لبريق‭ ‬الجمال‭ ‬فيها،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ننجذب‭ ‬إليها‭ ‬ونفتن‭ ‬بجمالها‭. ‬تحدث‭ ‬الفيلسوف‭ ‬البريطاني‭ ‬ديفيد‭ ‬هيوم‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ "‬حول‭ ‬المأساة‭" ‬عن‭ "‬مفارقة‭ ‬المأساة‭" ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنه‭ ‬كلما‭ ‬زاد‭ ‬حزن‭ ‬تجربة‭ ‬جمالية‭ ‬معيَّنة‭ ‬كالأفلام‭ ‬والمسرحيات‭ ‬الحزينة‭ ‬والأغاني‭ ‬زاد‭ ‬استمتاعنا‭ ‬بها،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬التفسير‭ ‬الأنسب‭ ‬لهذه‭ ‬المفارقة‭ ‬بأننا،‭ ‬وببساطة،‭ "‬نحب‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬تحرِّك‭ ‬فينا‭ ‬المشاعر‭" ‬حيث‭ ‬يتفوق‭ ‬الشعور‭ ‬بالمتعة‭ ‬على‭ ‬مشاعر‭ ‬الألم‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المتعة‭ ‬المأساوية‭ ‬هي‭ ‬إحدى‭ ‬النظريات‭ ‬التي‭ ‬تبرِّر‭ ‬انجذابنا‭ ‬إلى‭ ‬الانقاض‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قتامتها‭ ‬التي‭ ‬تعطينا‭ ‬شعوراً‭ ‬بالكآبة‭ ‬ولكنها،‭ ‬كما‭ ‬قيل،‭ ‬هي‭ ‬كآبة‭ "‬مفعمة‭ ‬بالحيوية‭".‬

وربما‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أخبار‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الحديثة‭ ‬للآثار‭ ‬تثير‭ ‬اهتماماً‭ ‬واسعاً‭ ‬وليس‭ ‬آخرها‭ ‬أحدث‭ ‬الاكتشافات‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غربي‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬هياكل‭ ‬حجرية‭ ‬ضخمة‭ ‬تعرف‭ ‬بالمستطيلات‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬7000‭ ‬عام‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬ولا‭ ‬الاكتشافات‭ ‬التي‭ ‬نسمع‭ ‬عنها‭ ‬باستمرار‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬الفرعونية،‭ ‬ولا‭ ‬غيرها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬ربما‭ ‬لأن‭ ‬المعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬ستبقى‭ ‬تجعلنا‭ ‬نشعر‭ ‬بالارتباط‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬وستظل‭ ‬تملؤنا‭ ‬بحزن‭ ‬مثير‭ ‬للذكريات‭ ‬وتشكِّل‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬السكون‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬الحديثة‭ ‬المحمومة‭. ‬

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية