.
.
.
.

خيانـة القسـم

أحمد عجب الزهراني

نشر في: آخر تحديث:
في الوقت الذي كنت أقرأ فيه عن عزم الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» اتخاذ الإجراءات اللازمة لاعتماد ضوابط إلزام عدد من المسؤولين والموظفين الحكوميين القدامى والجدد بأداء القسم الوظيفي، تذكرت هذه القصة المعبرة: وقف رجلان أمام القاضي في المحكمة أحدهما طويل القامة والآخر شيخ محني الظهر يتوكأ على عصا غليظة قال المدعي: أعطيت هذا الشيخ عشر قطع ذهبية ووعدني أن يردها عندما تتحسن أحواله وكلما طالبته بها تهرب مني، فأجاب الشيخ: أعترف أنه أعطاني عشر قطع ذهبية لكنني رددتها إليه يا سيدي، فقال القاضي: أتقسم أمام المحكمة على أنك رددت إليه القطع الذهبية؟ قال الشيخ: نعم، فقال القاضي: إذن ارفع يدك اليمنى وابدأ بتلاوة القسم، حينها التفت الشيخ إلى المدعي وطلب منه بكل لطف ولين أن يمسك العصا حتى يتمكن من أداء القسم، فرفع الشيخ الكبير يده وقال: أقسم بالله أنني أعدت القطع الذهبية العشر إليه!؟.

عندها لام القاضي المدعي لاتهامه الشيخ، فيما قدم المدعي أسفه واعتذاره موضحا بأنه ربما نسي ذلك، أما الشيخ فأخذ عصاه وراح يرمق المدعي بنظراته ويقول: حسبي الله عليك، وقبل أن يخرج الرجلان من المحكمة خطرت للقاضي فكرة مفاجئة، فناداهما، وطلب من الشيخ تسليمه العصا، فراح يقلبها بين يديه ويفحصها حتى لاحظ أن العصا ثقيلة وأن مقبضها من النوع الذي يمكن خلعه عنها، فأدار المقبض وأمال العصا قليلا، فإذا بالقطع الذهبية تتساقط على الأرض، فالتفت القاضي إلى المدعي وقال له: كان هذا الشيخ الهرم ماكرا وكاذبا حين سلمك العصا التي بداخلها قطعك الذهبية وأقسم أنه رد إليك ذهبك وكان ذهبك بين يديك وأنت لا تدري!!.

هذه القصة حدثت في الزمن البعيد، عندما كان المسلم أكثر قربا من الله وأكثر تقشفا وزهدا ويعيش في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، فكيف سيكون الحال إذن في وقتنا الراهن مع كل هذه النهضة والرفاهية والمغريات المتنوعة، بالتأكيد سيكون للشيوخ الفاسدين معتقداتهم الحديثة التي يؤمنون بها ويحاولون من خلالها أن يبرروا ويبيحوا لأنفسهم ــ على الأقل ــ خيانة القسم فيعيثوا في الأرض فسادا، ولهذا فإنه من المهم جدا ألا نرتكن إلى مظهرهم الملتزم عند أدائهم القسم، فتحملنا روحانية اللحظات الجميلة بما فيها من اطمئنان وسكينة وما يحفها من نسمات عليلة إلى الخمول والاسترخاء فندخل في سبات عميق قد لا نفيق منه إلا بعد سنواتٍ عديدة من الضياع!!..

ليت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» قبل مطالبتها باعتماد القسم للموظفين الحكوميين، أن اقترحت وفقا لإستراتيجيتها التأكيد أولا على مبدأ تحسين أوضاع المواطنين الأسرية والوظيفية والمعيشية، أسوة بموظفي الهيئة، الذين منحتهم اللائحتان المالية والوظيفية مميزات كبيرة للإسهام في الحفاظ على نزاهتهم مثل: بدل سكن يعادل راتبين وبحد أدنى خمسة وعشرين ألف ريال، وبدل نقل، وبدل طبيعة عمل يقدر بربع الراتب، إلى جانب تقديم الرعاية الصحية التي تغطي الموظف وأفراد عائلته.

ليت «نزاهة» قبل مطالبتها باعتماد القسم، أن أوصت بإقفال (صندوق براءة الذمة) الذي يشبه إلى حد كبير (عصا الشيخ) حيث إنه يكفي أي شخص ظلم إنسانا بأخذ حق من حقوقه أو تقاضى رشوة أو اختلس مالا عاما وأراد أن يتوب عن هذا الذنب (ويرد المظالم إلى أصحابها) أن يقوم بوضع هذا المال في الصندوق بدون أن يذكر أسمه وبياناته وبسرية تامة!؟.

* نقلا عن صحيفة "عكاظ" السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.