.
.
.
.

ما في البلد إلا ذا الولد

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:
عملت في القطاع العام سنين طويلة وكنت أشاهد العجب من محاولات البقاء من خلال إثبات خيبة الآخرين أو جهلهم أو عدم قدرتهم على تحمل المسؤولية. شاهدت أساليب مبتكرة في كبت المفكرين، وطرق عجيبة في تخدير النشيطين، ووسائل عجيبة في دس الدسائس لكل أنواع القادة المحتملين.



شاهدت قلوباً بلا رحمة، تبتدع جرائم أخلاقية أو عملية بحق من يظن أنهم يهددون صاحب المنصب. تهم الرشا والفساد الأخلاقي، والتلاعب بالصور والتسجيلات لتضع الشخص في خانة المجرم الذي لا يمكن الوثوق به. يوجد في المملكة كم هائل من المسؤولين المُحبطين، الذين كانوا ضحايا مؤامرت أطلقها أشخاص دون قيم ولا أخلاقيات ولا رحمة، فأصبحوا يخافون التغيير أو التطوير أو الإبداع خشية العاقبة التي رأوها تطير بمن سبقهم.



الغريب أن لكل واحد من هؤلاء المستبدين الذين يحاولون البقاء في المناصب حاشية إجرامية يمكن أن تفعل أي شيء لإسقاط العدو الذي يعمل جاهداً لإنجاز عمله، فيجد نفسه ضحية مؤامرة. يعمل هؤلاء على المحافظة على أنفسهم من خلال الوسائل التي تفننوا في التخطيط لها واستخدامها ليحافظوا على مميزات حققتها لهم الوظيفة العامة، وبعيداً عن الالتزام بأداء وظيفي متميز.



يعمل هؤلاء لساعات قصيرة في اليوم آخذين في الحسبان ضمان أن يكون كل شيء تحت سيطرتهم، فهم لا يمنحون لأي كان الصلاحية لإصدار أو تنفيذ أي قرار. يحتفظون بالصلاحيات المالية في أيديهم بحجة الحفاظ على المال العام، وهي حجة واهية تثبت خطأها الأيام عندما يأتي غيرهم ليدير العمل والمال العام بشكل أفضل وأكفأ، لكنها حالة لن تحدث إلا على جثة المسؤول المتمسك بالوظيفة.



يندر أن تجد مظاهرات في أي دولة في العالم تطالب بزيادة سن التقاعد، بل العكس هو الصحيح، فقد تحولت اليونان إلى نار بين المتظاهرين والشرطة بسبب محاولات الدولة رفع سن التقاعد، الأمر نفسه تكرر في فرنسا وألمانيا وعدد من دول أوروبا. أما عندنا فهؤلاء يستمرون في المطالبة والترجي والتوسط بكل من يعرفون في سبيل الحصول على التمديد بعد وصولهم سن التقاعد. أعرف شخصاً لا يزال على رأس العمل وهو قد تجاوز الثمانين من عمره، فأين سن التقاعد؟ وكيف يستطيع أن يدير عمل قطاع مهم يتوقع منه الناس الكثير؟



يقول الواقع إن المسؤولين الذين مازالوا على رأس العمل بعد تجاوز سن الستين في تزايد مستمر. ورغم التعاميم المشددة والتأكيدات المغلظة والتهديدات المستمرة بعدم الرفع بطلبات التمديد بعد سن الستين، إلا أن طلبات التمديد تستمر بناء على إلحاح الموظف وواسطات لها أول وليس لها آخر. ولا يزال هناك الكثير من القطاعات التي يسود فيها الاعتقاد بأن الوزارة أو الهيئة أو المؤسسة ستسقط بمجرد خروج فلان أو علان منها.



كتب الكثير من علماء الإدارة في المواصفات الجيدة للقائد، والتميز الذي يحققه في ممارسته للعمل. بل إن دولاً كثيرة ترغم المديرين على التمتع بالإجازة وتراقب كفاءة الأداء أثناء وجود المدير في الإجازة. فإن سار العمل عل ما يرام فالمدير يعتبر ناجحاً. لكن المؤسف أن القاعدة تنعكس تماماً لدينا، حتى إن بعض كبار المسؤولين يستمرون في الاتصال بمكاتبهم أثناء ''تمتعهم'' بالإجازة ويوجهون العمل رغم عدم قانونية مثل هذه التصرفات. لكن كيف تنطلي هذه الحيل والألاعيب على مسؤولين في دولة تجاوزت الثمانين سنة من عمرها؟ هذا سؤال مهم. وهو ما يجعل تكتيك مدمني الوظيفة أكثر تعقيداً مما يتوقع القارئ.



يلجأ الكثير من مدمني الوظيفة إلى تعيين مساعدين ومديرين غير أكفاء على أمل أن يقنع المسؤول الأعلى منه أنه لا يوجد خلف متمكن له، وبهذا يضمن المدمن البقاء من خلال عدم كفاءة مساعديه وتردي الروح المعنوية داخل الإدارة لأن الأكفاء يكونون مكبوتين، ولا يحصلون على الترقيات المستحقة لهم وبهذا يقبعون أسفل السلم القيادي.



يلجأ آخرون إلى ''كرف'' المبدعين وحرمانهم من الدورات والانتدابات والإجازات بحجة حاجة العمل إلى وجودهم، وهي حيلة قديمة قدم تاريخ الفساد الإداري، فيكسب أقارب الرئيس وأصحابهم والمزعج من الموظفين الدورات والبعثات، فيحصلون على نقاط أعلى عند الترقية ويصلون بينما يظل ''المكروف مكروفاً'' في المكتب نفسه إلى أن يصبح العمل مرتبطاً به.



ينظر المرء خارج الإطار الذي تجعلنا فيه الوظيفة العامة إلى دول العالم الأخرى، فيجد الوزراء يتغيرون كل أربع سنوات، ويجد المديرين يتنقلون وتنمو مداركهم وثقافتهم ومعرفتهم بالوظيفة العامة والمسؤولية المرتبطة بها، ثم يعود ليجد أن مديرينا يغرقون في شبر معلومة تخص الإدارة التي لا يفصلهم عنها سوى جدر أو فاصل جبسي.



إن التعلق بالوظيفة هو نتيجة لعدد من الأخطاء الإدارية المرتكبة في أغلبية إن لم يكن كل وزارات الدولة وهيئاتها ومؤسساتها العامة. فكل مسؤول يحاول الحفاظ على المعلومات التي يعرفها، وبهذا يكون مرجعية للجميع. كما يتوقف دور التدريب في تجديد المفاهيم وإدخال المصطلحات الحديثة إلى مجتمع الوظيفة، وبهذا يشعر المسؤول بالنقص والخوف على مكانه ويحاول عندها أن يقاتل من أجل البقاء فيؤدي إلى تدمير نظرة الشباب للعمل العام وتكوين جيل جديد يؤمن بالمحافظة على المكاسب الشخصية باعتبارها خاصة وليست من حق الدولة.



يتجلى كل هذا عندما تجلس مع شاب تعين حديثاً في أي قطاع وتستمع إلى طموحاته وآماله التي يريد أن يحققها، ثم تتوجه إلى موظف خدم عشر سنين لتجد مفاهيمه أصبحت أكثر تركيزاً على الوصول للمنصب، وتنفيذ كلما يحقق له ذلك، وتجده يضرب الأمثلة بفلان وفلتان وهما شخصان فاشلان لكنهما أصبحا مثاليين في رأي الموظف لأنهما يعرفان من أين تهب الرياح ويسيرون معها، لذلك يراهما منطلقين إلى الأعلى. ثم تجلس مع شخص تقاعد لتجده ينتقد الجميع وينظِّر ويتفلسف، فتقول له لِمَ لَم تغير عندما كنت أنت ذلك الشخص الذي تنتقده؟ ويستمر الدولاب في الدوران، والفساد الإداري يستشري بصور أكثر إبداعاً مع مرور الوقت.


*نقلاً عن صحيفة "الإقتصادية" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.