.
.
.
.

هل نحن في حاجة لشركات كبرى في الحج؟

محمد الساعد

نشر في: آخر تحديث:
في موسم الحج من كل عام نخرج بحصيلة كبرى من تجارب النجاحات، وبحصيلة أخرى من الإخفاقات، ولأن النجاح واجب علينا، فالحديث عنه منةٌ ليس لها مسوغ، وينهى عنها القرآن العظيم والخلق الكريم، خصوصاً ونحن نقول عن أنفسنا «خدام بيت الله وخدام ضيوف الرحمن».



والسؤال المُشكل: هل لدينا خدمات ممتازة نقدمها في موسم الحج؟ الجواب نعم... لدينا الآلاف من الخدمات الممتازة، ولكننا في الوقت نفسه نخفق أحياناً في إدارة بعض تلك الخدمات، خصوصاً المفصلية منها والحساسة، التي تطير بها الألسن في الآفاق.



وفي اعتقادي أن مشكلة بعض المسؤولين «التكنوقراط» الموكل إليهم إدارة خدمات الحج ليست مع من انتقدهم، بل مشكلتهم هي في اختياراتهم لمن يوكل لهم القيام بأعمال جسام لا يتحملها إلا ذوو الهمم والقدرات العالية. وبالتالي فإن من «فَشَّلَهم» ووضعهم في موقع لا يحسدون عليه هم عمالهم الذين اختاروهم بأنفسهم للعمل، وليس أولئك البسطاء المستخدمين للخدمات، فهم يستخدمون خدمات مشابهة حول العالم، ولا يخفقون فيها، بل «السستم» إذا أخفق يصبحون تلقائياً مخفقين، ولذلك يصبح من المفهوم أن تُنتقد وأن تغضب من مشاعر الانتقاد أيضاً، فهو أمر إنساني مقبول ومعروف.



ولنأخذ موسم حج هذا العام مثالاً لنعرف... هل نحن في صدد اللوم والغضب من اللائمين؟ أم في صدد التخطيط والتنفيذ لموسم حج مقبل أكثر سهولة ويسراً ونجاحاً؟



فهناك من يرى أن الحج فعالية كبرى فيه الآلاف من التفاصيل، تبدأ من تفكير الحاج فيه من بلده، إلى مغادرته سالماً من كل نصب وتعب.



وهناك من يرى أن مقياس النجاح هو في قلة عدد الوفيات، وهو أمر جيد لكنه ليس كل شيء، النظرتان مختلفتان تماماً، فالنجاح مرهون بكفاءة الخدمات وقدرتها على إرضاء المستفيدين منها وحمايتهم وقت الملمات، وهي التي ستقلل عدد الوفيات لو حصل إخفاق «لا سمح الله»، أما الأخطر فهو أن عدد الوفيات سيكون كارثياً مع إخفاق أي من تلك الخدمات.



ولذلك كله أتمنى بل أطالب بالاستعانة بالخبرات العالمية للمساعدة في أعمال إدارة الحج، وألا نتحسس من ذلك أبداً، فدول العالم تستضيف المناسبات لكن ليس بالضرورة أن تديرها، فالغاية نجاح الحج وليس «سعودة التبرير»، فهناك مجموعة من شركات إدارة الفعاليات والمناسبات العالمية الكبرى، التي تدير على سبيل المثال «كأس العالم أو الألعاب الأولمبية»، فهذه الشركات تتعامل مع ملايين البشر الذين يقصدون مكاناً واحداً، وتدير طلباتهم وزياراتهم والفعاليات التي يتوجهون إليها بمنتهى الحرفية.



ومن الدقة أيضاً ألا نقارن بين شعيرة عظيمة مثل الحج، وأي شيء غيرها، لكن من المهم أن نعرف أن السلوك الإنساني واحد، والتجارب واحدة، والإدارة واحدة، والتفاصيل في معظمها واحدة، لكن هناك فروقات في أماكن بعينها تخصنا نحن ولا تخصهم.



ألم نستعن بالشركات الكبرى في استخراج نفطنا، وفي استخراج مياهنا وتحليتها، وأخيراً ألم نستعن بالصينيين لبناء القطار «المُشكلة»، صحيح أن هناك إخفاقاً في ما يخص ذلك القطار، لكنه يستخدم جيداً في الصين ولا يستخدم لدينا، ولذا علينا أن نفكك مشكلتنا ونوجد لها الحلول.



كما أن وجود جامعة الملك عبدالله (كاوست)، هذا الصرح البحثي المهم بين أيدينا، سيكون مفيداً لو طلبنا منها إعداد حلول عاجلة لإدارة الحشود، وتطوير خدمات الحج.



وأخيراً، ليس النجاح في حشد عشرات الآلاف من العاملين والمساندين - وهو أمر مهم - لكن الأهم هو في إدارة تلك المنظومة، وربط الخدمات كلها مع بعضها البعض، فهي كحجر «الدومينو»، إذا اختل واحد، اختلت بقية الأحجار من دون مجاملة لأحد.





*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.