.
.
.
.

المحتسبون وسلاح الدعاء بالسرطان

عبدالعزيز محمد قاسم

نشر في: آخر تحديث:
"أيعقل أن إصابة غازي القصيبي – يرحمه الله - بالسرطان نتيجة دعاء الشيخ أبا نمي وغيره من المشايخ عليه"؟ كان هذا السؤال يلوب في نفسي، وأنا أتابع بقية حديث الشيخ أثناء لقاء 200 من المحتسبين وزير العمل المهندس عادل فقيه، وجلست في حيرة فعلاً من هذا اللبس الذي داخلني.

وذهب بي الفكر بعيداً، إذ لو عكسنا المعادلة كمثال لهذه الإشكالية وربض أحد المشايخ من التيار الديني المحبين لغازي القصيبي في الضفة الأخرى، لرآه غير ما يراه أغلبية التيار المحافظ، في رجل تنويري وطني، قدّم لبلاده خدمات جليلة، في الوزارات التي تسنّم إداراتها، ولخرج برؤية مغايرة تماماً لما قال به ذلك الشيخ الشامت الذي دعا عليه بالسرطان.

ولربما ردّ على أولئك وقال بأن القصيبي شهيدٌ هنا، وثمة حديث شريف يقول بأنّ المطعون شهيد، والقصيبي –يرحمه الله- يعرف كل من اقترب منه في سنواته الأخيرة، بأنه بات أقرب لله تعالى، وحتى قبل اكتشافه السرطان.

أنا أحد الذين التقوه قبل موته بعام كامل، وقتما دعاني الصديق إبراهيم باداود في حفل عبداللطيف جميل لتكريم المتميّزين في السعودة، ورعاه الوزير الراحل، وقدمني الدكتور سعد عطية الغامدي له، وسمعت منه في كلمته التي ارتجلها، ما ينمّ عن رجل مؤمن مراقب لله، وذكر بأنه لا ينام إلا وجلاً كل ليلة، لسؤال يقلقه: "ماذا أقول لربي عندما يسألني عن هؤلاء الشباب، وماذا قدّمت لهم؟"، ووقتما صعدت للمنصّة بادرته بسؤال: "يا معالي الوزير، تلمّست حديثاً إيمانياً غامراً في كلمتك، هل كان العمر هو السبب؟" فتفرّس طويلاً في وجهي، وقال بدبلوماسيته: "العمر يفعل أكثر من ذلك يا عبدالعزيز". الشاهد هنا، أنّ القصيبي كان مؤمنا، فكيف يستقيم مثل هذا الدعاء الشامت عليه، وإسقاطه بعينه على الرجل.

نعرف أن الشيخ محمد بن عثيمين -يرحمه الله- أصيب بالسرطان أيضاً، ولو سألت أيّا من طلبة العلم، لأجابك فورا بأن ذلك رفعة درجات لذيّاك العالم الرباني الوضيء، وتمحيص لذنوبه، وزيادة في حسناته، ولا نستطيع الجزم بسببية أنّ السرطان هنا أو هناك كان بسبب الدعاء.

من كلماتي السابقات، لا أنكر أثر وقوة الدعاء، وأمثلة طويلة في تراثنا وديننا تزخر بفاعلية سهام الليل، بيد أنني أودّ هنا من طلبة العلم الذين ألمّوا بالواقع المعاصر، وكانت لهم تجربة في مخاطبة النخب المثقفة بعقلانية يحبذونها؛ تحرير موضوع الدعاء وتبسيطه، كي لا يُفتن المجتمع والعامة بأحاديث البعض، الذين يكيّفون الدعاء حسب رؤيتهم.

وهنا أيضاً دعوة لسماحة والدنا مفتي عام المملكة طرح الموضوع، ومناقشته من أعلى جهة إفتائية لدينا، إذ أمثالهم من أهل العلم الراسخين عندما يتحدثون، يقطعون الطريق على بعض الصغار من أن يفتنوا المجتمع ونخبه بمثل هذه الأحاديث، التي تجعل الجهلة يلغطون في الدين ويخوضون في قيمه، ما جعل أحدهم يتساءل: ولماذا ندعو على إسرائيل من ثمانين عاماً وتزداد قوة ونزداد ضعفاً، أليس من الأولى توجيه ذلك الدعاء –طالما كان نافذاً- لليهود بدلاً من إسقاطه على رجل مسلم؟

عموماً، ربما أخالف كثيراً من زملائي الكتّاب، في استنكارهم لمثل هذه اللقاءات التي أراها ضرورية، لفكّ الاحتقانات المجتمعية، وأحييّ وزير العمل على رحابة صدره للاستماع لشريحة مواطنين لديهم رؤى خاصة حول أداء وزارته، وبالطبع من حقّ أي شريحة أخرى أن تلتقي معاليه وغيره من الوزراء لسماع وجهات نظرهم، وملاحظاتهم على أداء الوزارات، فهذا أسلوب أتمنى أن يتجذر، شريطة التمسّك بآداب الإسلام في الحوار والنصيحة.

وكما قيل، فإن الشجا يبعث الشجا، إذ في مساء الثلاثاء الماضي، كنا في نادي جدة الثقافي الأدبي، على موعد مع بعض أصحاب التوجّه الديني، الذين حضروا بكل أدب، وأرادوا الاستماع لمحاضرة النادي التي كانت بعنوان: (النخب السعودية وقضايا التغريب) والتي قدمها الدكتور محمد السعيدي، ورأوا في زاوية القاعة ثلة حاضرات من أخواتنا، فذهبوا لرئيس النادي وأبلغوه احتجاجهم، وطالبوه بإخراج الأخوات للقاعة النسائية العليا المخصصة لهنّ، بل وذهب ضيفنا الدكتور السعيدي إليهنّ، بيد أنهنّ رفضن المغادرة، وقالت إحداهن له: "والدي في الصفّ الأول، فلماذا تطالبني بالخروج؟"، ولم يجد بدّا الدكتور السعيدي من إلقاء محاضرته بعدها.

التصرّف الذي أودّ الإشادة به من قبل هؤلاء، أنهم قالوا بأننا سننصرف احتجاجاً على وجود النساء بالقاعة، وغادروا بكل هدوء، همست بارتياحي للدكتور السعيدي وقلت له: "ما فعلوه بمغادرتهم الهادئة، وطريقة احتجاجهم المتحضّرة؛ أمرٌ إيجابي"، إذ كنت وجلاً من أنّ الأصوات ستتعالى صراخاً ووعيداً، ونكرّر ما حدث في (معرض الكتاب) أو في أمسية (كلية اليمامة)، وفي مناسبات عديدة، كان الاحتجاج فيها بطريقة صاخبة، تؤدي لفوضى وهرج، ومفسدة أكبر من الموضوع الذي أتوا للاحتجاج عليه".

أنصح هنا بالإسراع في ضبط وتقنين موضوع الاحتساب، كي لا يخرج عن مراده وهدفه، وأنا حفيّ بحقّ أي مواطن -مهما كان انتماؤه- أن يبدي وجهة نظره في أداء أي وزارة أو وزير، ولكن بما أسلفت بطريقة لا تؤدي لفتنة مجتمعية، ولا إلى تعدّ شخصي لا يليق بمقام من نناصحهم.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.