.
.
.
.

فساد البيئة وتلوثها ألا يستحق وزارة؟

رشود الخريف

نشر في: آخر تحديث:
البيئة تعاني التلوث والانتهاك والإرهاب دون وجود من يرعاها ويحافظ عليها بجدية وبشمولية ووفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. نعم.. البيئة الطبيعية تزداد تصحراً وتدهوراً نتيجة رمي المخلفات الصلبة والسائلة، والرعي الجائر، والتعدين أو الاستغلال الجائر من قبل الشركات والمؤسسات دون اعتبار، مع الشكر لقرار وقف بيع "الحطب المحلي" في الأسواق للحد من الاحتطاب الجائر الذي أدى إلى انقراض أصناف معينة من الأشجار في بعض الأماكن التي كانت تزخر بها في الماضي القريب مثل الغضى والعبل والسمر وغيرها من مظاهر الحياة الفطرية الأخرى كالطيور والزواحف والحيوانات.



وفي حالٍ لا يقل سوءاً، تعاني المياه الجوفية الاستنزاف المسعور والتلوث المستمر نتيجة التخلص من المخلفات السائلة دون معايير بيئة مقننة، بل تحفر الآبار وتهمل ثم تتحول في النهاية إلى "بيارات" يُحقن فيها الصرف الصحي الملوث، فيختلط بالمياه السطحية والجوفية العميقة. وكذلك تتعرض المياه للاستنزاف والتلوث نتيجة التعدين غير المسؤول، والممارسات العمرانية والصناعية غير المناسبة، أو استخدام المبيدات الزراعية الضارة بالبيئة والحيوان والإنسان على حد سواء.



إن تنفيذ كثير من المؤسسات العامة والخاصة مشاريعها الاستثمارية أو التنموية دون دراسات بيئية جادة، يهدد البيئة كإنشاء السدود وحفر الآبار والتعدين وشق الطرق السريعة دون التنسيق مع جهة مستقلة تحمي البيئة وتدافع عنها. إن شق الطرق ينتهك عذرية بعض الصحاري النائية دون اعتبار للجانب البيئي والتأثير اللاحق (بعيد المدى) على تلك المناطق، بل تحتفل الجهات المسؤولة بإنجازاتها التنموية التي لا تُعير أي اهتمام لموضوع التنمية المستدامة بمفهومها الشامل! لقد فقد مصطلح "التنمية المستدامة" معناه من كثرة ما يتردد على المسامع دون وعي بمفهومه أو اهتمام بتطبيق مضمونه!



يؤدي هذا الوضع (الفوضوي) إلى ضياع المسؤولية بين جهات مختلفة تعمل لمصلحة مشروعاتها على حساب البيئة في بعض الأحيان. لذلك قلما نسمع عن مراجعة خطط المشروعات من الناحية البيئية قبل الشروع في تنفيذها، وقلما نسمع أو نقرأ عن إيقاف عمل مشروع أو شركة معينة، بسبب ممارساتها التي تلحق الضرر بالبيئة، وذلك لسبب بسيط جداً، هو عدم وجود السلطة الكافية لدى الجهات التي تشترك في المسؤولة تجاه البيئة على بعضها البعض، وعدم رغبة كل منها في التدخل في أنشطة المؤسسة أو الوزارة الأخرى.



أيها الأعزاء - قراء وقارئات - هذه الفوضى والإهمال يهددان استدامة التنمية لأبنائنا وللأجيال القادمة، ويعرض صحة الإنسان للخطر، فقد انتشرت أمراض كثيرة وعلى رأسها أمراض السرطان في عديد من المناطق نتيجة هذا الاهمال البيئي والتلوث الغذائي والاستغلال الجشع لمكونات البيئة دون رقيب يقظ، ومراقب واع، أو محاسبة جادة!



وللحقيقة، لقد حققت المملكة إنجازات تنموية عظيمة على كافة المستويات، ولكن هذه المنجزات مهددة بخطر التدهور وعدم الاستدامة والاستمرار، عند إهمال الوعاء البيئي الذي تقوم عليه هذه المشروعات والمنجزات، ولا يقل عن ذلك أهمية أن هذا التدهور والتلوث البيئي يهدد صحة الإنسان الذي هو هدف التنمية ومحركها الأساس.



إن استشعار أهمية البيئة وخطورة إهمالها يدعوني لإعادة طرق هذا الموضوع، وإعادة اقتراح إنشاء وزارة أو هيئة عليا خاصة بالبيئة وحمايتها من التلوث، لتكون ضمن الإصلاحات البناءة التي ينتهجها خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله. إن وجود مؤسسة حكومية متخصصة في البيئة تمتلك الصلاحيات الكافية ستكون فاعلة ومؤثرة، خلاف الجهود الحالية المتفرقة هنا وهناك. ووجود وزارة للبيئة ليس بدعة إدارية أو ضرباً من ضروب الخيال الطموح. إن وزارات البيئة موجودة بهذا الاسم في الهند، واليابان، والصين، والدنمارك، وألمانيا، وأيسلندا، واليونان، وإيران، ونيوزيلندا، والنرويج، وباكستان، ورومانيا، وجنوب إفريقيا، والسويد، والولايات المتحدة، وعمان وغيرها.


نقلاً لـ صحيفة "الاقتصادية"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.