.
.
.
.

الطبقية والعنصرية في المستقبل

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

كنتُ في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية ضمن مجموعة من الكتاب من أنحاء مختلفة من العالم. يتضمن البرنامج الاطلاع على معالم الحياة الامريكية المميزة. قمنا بزيارة حي للسود في واشنطن العاصمة. لايجرؤ ان يدخله البيض مثل الغيتو. (تذكروا ان هذه الحادثة جرت 1993 ميلادية). دخل بنا الباص إلى حدود معينة ثم قفل راجعا لأننا سنكون في خطر. أخضعنا زملاءنا الامريكان لحوارات طويلة حول السود والبيض في أمريكا.

ما يهمنا هنا هو السؤال. لماذا تقتصر نجاحات السود على الرياضة والفن المرتبط بالموسيقى؟ فقالوا ان الامر يتعلق بالنموذج.

بقي هذا الجواب في ذهني منذ ذلك الحين. أجريت عليه اختبارات كثيرة. في كل مرة استخدمه لتفسير ظاهرة انتشار وظيفة محددة في طبقة اجتماعية أو قرية معينة أو شعب كامل أجد انه فعال وكاف. عندما تسأل لماذا يتفوق البرازيليون في كرة القدم والانجليز في البحث العلمي، وأهل القرية الفلانية في التجارة، والعائلة الفلانية في الادب والثقافة ستجد أنك امام شرط النموذج.

الأسود الأمريكي الصغير كأي طفل آخر إذا طلب مجداً سينظر للعالم من خلال مجد عائلته أو طائفته أو جماعته أو قبيلته أو أمته. يأخذ منها نماذجه. ولان الزنوج في أمريكا احترفوا الغناء بإملاء من تراثهم الشعبي القديم والظروف التاريخية التي حرمتهم من التعليم الراقي بقي نموذجهم محصورا في الغناء والرياضة.

كل طفل اسود امريكي طموح يريد أن يكون مثل مايكل جاكسون أو جوردان. ستجد هذا في العائلات. فالعائلة التي تحترف التجارة على مدى عقود تجدها تتناسل تجارا، والعائلة العلمية تنتج علماء والعائلة الحاكمة حكاما، وهكذا مع الطبقات والقبائل وحتى الشعوب. مع ان هذه التوطئة مليئة باحتمالات لحوارات كثيرة إلا أنني سأعود إلى أصل الموضوع الذي بدأناه يوم امس الأول عن نزوع المجتمع لبناء تمايز طبقي اقتصادي اسوة بالمجتمعات الأخرى في هذه المرحلة العمرية من حياة المجتمع. نجا المجتمع البريطاني من الطبقية الصارمة بالتوسع في التعليم واتاحته لكل الطبقات وتقدم الزنوج في أمريكا متجاوزين محنتهم بعد أن سنت الحكومة الأمريكية قانونا يعطي الزنوج نسبة ثابتة من المقاعد في كل الجامعات.

التعليم في بلادنا متاح للجميع. لا يوجد عليه أي شبهة عنصرية أو مناطقية او طائفية. قد يكون للواسطات دور ولكن هذه آفة إدارية لا علاقة لها بموضوعنا. بيد أن هذا لا يعني ان التعليم العالي سيتوزع بشكل عادل بين الجميع .

إذا تتبعت الطلبة الجامعيين والخريجين وفحصت خلفيتهم ستجد أن معظمهم قدمت له اسرته النموذج. كأن يكون في عائلته من بعيد أو قريب طبيب أو مهندس أو مدرس أو ضابط أو شيخ او أي جامعي. الإنسان لايمكن أن يطمح في شيء لا يعرفه.

من البدهي ان نقول إن الأسر الهامشية والفقيرة لا يمكن أن توفر لأبنائها مناخا أسريا يؤهلهم لاكتساب درجات في الثانوية ترشحهم لمقاعد في الكليات العلمية. (هذا إذا استمروا في المدرسة) وبذلك ستظل طبقة معينة محرومة من التعليم الجامعي وبالتالي من حقها في النماء والانتقال من الهامشية إلى صلب المجتمع. الشيء الذي يمكن فعله كما حصل في الولايات المتحدة مع السود. أن تخصص نسبة من المقاعد الجامعية الراقية والابتعاث لأبناء فئات من المجتمع فقيرة وهامشية وخاصة التي يخلو محيطها من النموذج بغض النظر عن درجات الثانوية. أن تتعمد الدولة صناعة النموذج في داخل هذه الأسر..

نقلاً لـ صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.