أمة الطقم الموحد !
نشرت «عكاظ»، أمس، تقريرا مترجما حول قرار زعيم كوريا الشمالية كيم جون أون وضع شروط لموضة قص الشعر في بلاده، بحيث منح الإناث (الحرية) لاختيار واحدة بين 18 قصة شعر مسموحة في البلاد، بالإضافة إلى شروط أكثر صرامة بالنسبة لقصات الرجال، وتضمنت تعليمات الزعيم حظر عمليات صبغ الشعر وضرورة الابتعاد عن القصات الحديثة المتبعة في الدول الغربية، وحرصا على عدم الإخلال بهذه القوانين القراقوشية أمر الزعيم بوضع 18 صورة في كل صالون حلاقة في العاصمة بيونغ يانغ؛ كي تعرف نساء كوريا الشمالية أنواع القصات المسموح بها، وبينها قصات تميز النساء المتزوجات من غير المتزوجات!.
فكرة توحيد الشعب وتحويل أفراده إلى نسخة واحدة ليست بدعة كورية، فالكثير من الأنظمة السياسية والمؤسسات الدينية والكيانات القبلية في هذا العالم تشعر بأن التنوع شكل من أشكال الخروج على الجماعة؛ لذلك تحاول (تطقيم) أفرادها بشتى الطرق، ليصبح الشعب هو (ناتج ضرب واحد في عشرة ملايين) رغم أن الله ــ عز وجل ــ خلق البشر متنوعين في أفكارهم وأذواقهم وطموحاتهم، ولكن من يملك السلطة المطلقة يرى أنه دائما على حق، وأنه النموذج الأمثل الخالي من العيوب الذي يجب تعميمه على جميع أفراد المجتمع.
وثقافة (التطقيم) إذا انتشرت في أي مجتمع، فإنها تمتد أوتوماتيكيا إلى الأسرة الصغيرة، حيث يسعى الأب لأن يكون أبناؤه نسخة مطابقة له ويشعر بالذعر إذا وجد في أحدهم بعض علامات الاختلاف، وهذا هو السبب الأساسي لتخلف (شعوب الطقم الموحد) وعجزها الدائم عن اللحاق ببقية الأمم التي تحترم التنوع وتركز على المضمون أكثر من الشكل، وبإمكانكم أن تضعوا أمامكم خريطة العالم وتقارنوا بين الشعوب التي تؤمن بحق الاختلاف والدول التي تسعى لتطقيم شعوبها، وتتأكدوا أيهما أكثر تقدما وقوة وفائدة للبشرية.
اختلاف الآخر عنا في أفكاره أو جذوره أو ثيابه أو طموحاته ليس عيبا فيه، بل هو ميزة أساسية كي نتكامل معه ونصنع واقعنا القادر على مواجهة كل المتغيرات، وتشابهه معنا ليس ميزة على الإطلاق، بل قد يكون عيبا يعرقل التنمية والتقدم، خصوصا إذا ما كان هذا التشابه مفروضا عليه أو أنه تصنع هذا الشبه كي ينسجم مع (الطقم الموحد)!.
لقد أهدرت كوريا الشمالية خيراتها وخبرات أبنائها كي تحافظ على نسختها الموحدة للإنسان، وحاربت العالم بأسره كي يبقى هذا المشروع العجيب صامدا أمام متغيرات العصر، بينما حرصت شقيقتها كوريا الجنوبية على تشجيع التنوع ودعم التعددية في الأفكار والأشكال والأحلام، واليوم يسعى مواطنو كوريا الشمالية بشتى الطرق للهروب من جحيم الطقم الموحد الذي لم يجلب لهم إلا الجوع كي يكونوا مهاجرين غير شرعيين في الصين، بينما تحولت كوريا الجنوبية إلى واحدة من أكثر دول العالم تقدما إلى درجة أن الشركات الغربية أصبحت تحاول بكل إصرار استنساخ تجربتها الرائدة. باختصار، كان المشروع القومي لكوريا الشمالية هو قصة الشعر، بينما كان المشروع القومي لكوريا الجنوبية هو عقل الإنسان.. وهنا يكمن الفرق بين أمة وأخرى!.
*نقلا عن صحيفة "عكاظ" السعودية.