.
.
.
.

البطالة ٤٠ في المئة... «معقولة» ؟

طراد بن سعيد العمري

نشر في: آخر تحديث:

لا تزال نسبة البطالة وأرقامها في السعودية متضاربة بين المؤسسات الحكومية والخاصة؛ مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات المنوط بها التعداد والإحصاء تذكر نسباً للبطالة وأرقاماً للقوى العاملة متحفظة جداً للبطالة والقوى العاملة، لأسبابها الخاصة... في الجانب الآخر، مؤسسة النقد وبعض البنوك المحلية تذكر نسباً وأرقاماً مغايرة تماماً لأسبابها الخاصة، وزارة العمل وصندوق تنمية الموارد البشرية المشرف على برنامج «حافز» لهم أرقامهم، من جانب ثالث أيضاً... أما المسؤولون في وزارة العمل فتعتمد تصريحاتهم على الموقف والحالة، فإذا أرادوا التخلص والتملص أخذوا بنسب وأرقام مصلحة الإحصاءات العامة، أو جزء منها، كنسبة البطالة في الذكور فقط، وإذا كان الحوار والجدل والنقاش حول تشغيل المرأة أخذ بالنسب العالية من مصلحة الإحصاءات العامة، أما إذا كان الحديث عن الصرف - باعتباره إنجازاً - أخذ بأرقام الباحثين عن عمل المسجلين في «حافز» بشكل عام، فإن كان الأمر حول جدوى البرنامج قسموا البرنامج بحسب المنافع إلى ثلاثة أقسام: مالي وتدريبي وتوظيفي.

بعض المراقبين يقول إن الأمر «شوربة»، والبعض الآخر يراها «سلطة»، أما نحن فنقول إن هذا يذكرنا بتاريخ الإحصاء في بلادنا قبل نصف قرن من الزمان، إذ يحكي بعض الأوائل الأقدمين من «الشيبان» أن الإحصاء لعدد السكان في المملكة في مراحله الأولى، عندما لم يعهد المجتمع فكرة الإحصاء، يأتي تبعاً للشائعات، فإذا كانت الإشاعة، التي تسبق زيارة مندوبي الإمارات، أو المراكز الحكومية المكلفين بالتعداد، عن الحرب والتجنيد، تظهر الأرقام ضئيلة ولا يزيد عدد السكان على بضع مئات من الألوف، أما إذا كانت الإشاعة عن مكرمة من الدولة فتصبح الأرقام مبالغاً فيها ويصل عدد السكان بالملايين.

عضو جمعية الاقتصاد السعودية عبدالحميد العمري، ذكر في مقال نشرته صحيفة «الشرق» قبل أيام، أن البطالة في المملكة تلامس ٤٠ في المئة، وأثبتها بمعادلة علمية استناداً إلى أرقام مؤسسة النقد العربي السعودي وصندوق تنمية الموارد البشرية، ما يعني أن لدينا قرابة سبعة ملايين عاطل من الجنسين.

من حق وزير العمل، والمسؤولين في وزارة العمل، وصندوق تنمية الموارد البشرية، دحض أو تجاهل ذلك، لكن من واجبهم أن يعتمدوا هذا الرقم في خططهم وتصريحاتهم، عملاً بالقاعدة الأساسية في بناء الخطط الاستراتيجية وهي التخطيط للسيناريو الأسوأ «Worst Case Scinario»، إذ ليس من الحكمة، وليس من مصلحة أي مسؤول، تخفيف حجم الكارثة، لأن في ذلك تضليلاً للجميع، بل إننا نذهب إلى أن كل مواطن يعمل في وظيفة براتب شهري أقل من ٧,٥٠٠ ريال فهو من ضمن البطالة، لأن البطالة يمكن تعريفها بأنها «عدم وجود عمل مناسب بأجر مناسب لمن يبحث عنه».

المبالغ الزهيدة التي يدفعها القطاع الخاص لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي للمملكة، من ناحية، فتح سوق العمل السعودي لمن هب ودب أخل بأمور كثيرة من أهمها اختلال ميزان العرض والطلب على العمالة، من ناحية ثانية، كما أن الأجور السائدة لا تتناسب مع كلفة التعليم والتدريب الذي يتلقاه المواطن السعودي، من ناحية ثالثة، وأخيراً، عدم تناسب ما يعرض من أجور مع المستوى المعيشي للمجتمع، من ناحية رابعة. وللأمانة، خطت وزارة العمل خطوة بالاتجاه الصحيح عندما أعلنت عن برنامج «نطاقات الأجور»، الذي يحتسب كل موظف يتقاضى أقل من ٣٠٠٠ ريال بنصف موظف، ومن يتقاضى أقل من ١٥٠٠ ريال بلا شيء، لكن هذا لا يكفي وسيجزئ المشكلة ويربك سوق العمل وقطاع الأعمال.

لقد جادلنا في أكثر من مناسبة ووسيلة إعلامية بأن البطالة التي يطلق عليها الأمير الوليد بن طلال «القنبلة الموقوتة»، ويصفها رئيس الغرفة التجارية والصناعية بجدة الشيخ صالح كامل، بأنها «جدة الكبائر»، نجادل بأن وزارة العمل لم تضع حتى الآن أصبعها على مكمن الداء، ولذا جاءت حلول البطالة مجتزئة ونتائجها هزيلة، ما يعني أن البطالة لن تحل في المدى المنظور، بدليل أنه لم يتمكن أي مسؤول في وزارة العمل من التصريح بمدة زمنية معلومة تتمكن خلالها وزارة العمل من خنق البطالة تحت مستوى معين في وقت يتوالى فيه خلق مئات الآلاف من الفرص الوظيفية كل عام.

البرامج والمبادرات التي أطلقتها وزارة العمل لا بأس بها ولكن يشوبها أمور عدة، الأول: أنها ثانوية، بمعنى أنها تنظيمية؛ الأمر الثاني: أن نتائجها جاءت متواضعة جداً، بل هزيلة؛ أما الأمر الثالث: أنها لم تأتِ بطريقة علمية وممنهجة بل معظمها جاء كردود أفعال، وذلك أمر سيء جداً لأننا لا نملك رفاهية الوقت لكي نجري تجارب في سوق عمل تتشوه يومياً، لهذا وصفت بـ«القنبلة الموقوتة».

الغريب والمثير أن وزارة العمل لا تزال تتعامل مع بطالة يمكن تصنيفها بالبدائية، وعلى رغم ذلك لم نحقق فيها نتائج تذكر حتى الآن، فكيف الحال بنا إذا بدأنا في التعامل مع البطالة المتقدمة... البطالة البدائية تعني تأمين فرص العمل للداخلين الجدد لسوق العمل، أما البطالة المتقدمة فتعني بمنع التعطل وتأمين فرص عمل للمتعطلين في مدة وجيزة لا تزيد على ثلاثة أشهر... عصر العولمة وتوقيع المملكة على اتفاق التجارة الحرة، فرض مستجدات يجب أن توضع في الاعتبار، كما تجعل من البطالة المتقدمة أمراً حتمياً... الإفلاس والاندماج والاستحواذ، ثلاث ظواهر اقتصادية تنتج عن المنافسة، وفي الحالات الثلاث يخرج مزيد من القوى العاملة إلى فضاء «الفضاوة» والتعطل.

من الظواهر الجديدة التي جاءت بها العولمة، أيضاً، التغير الكبير في تفكير القوى العاملة للأجيال الجديدة، فجيل البنائين الذي ولد قبل الحرب العالمية الثانية، يختلف عن جيل الطفرة بعد الحرب العالمية الثانية، عن جيل الـ X وعن جيل الـ Y وجيل الـ Z - بالمناسبة ٦٠ في المئة من الشعب السعودي من جيل الـ Y وهو الجيل المولود بين عامي ١٩٨٠ - ٢٠٠٠ - هذا الجيل يختلف جذرياً عن الأجيال التي سبقته في العالم أجمع، ومن أهم السمات الرئيسة لهذا الجيل، في ما يخص الشغل والعمل، هو رغبة أبناء ذلك الجيل في التنقل بين عمل وآخر أكثر من عشر مرات خلال حياتهم المهنية، يضاف إلى ذلك خصيصة أخرى بالنسبة للخليج، والسعودية تحديداً، فإن عام ١٩٨٠ هو بداية دخول العاملات المنزليات والمربيات إلى ثقافتنا المنزلية والمحلية، فهل وضعت وزارة العمل كل تلك الأمور المستجدة في الحسبان؟

أخيراً، البطالة مستفحلة في مجتمعنا، وهو أمر مؤسف حقاً بصرف النظر عن الأرقام والنسب، ومن مصلحة المسؤولين في وزارة العمل قبول الأمر الواقع وعدم الاستتار خلف النسب المحسنة والإحصاءات المحصنة، وعدم الاستهتار بأمر البطالة بالركون إلى دراسات وهمية، حتى لو كانت تصاغ من شركات ذات أسماء عالمية، أو إلى تقارير منمقة تخفي تحتها الكثير من الأسئلة والاستفسارات أو أعذار وتبريرات شيء منها حول عدم جدية العامل السعودي، والآخر حول تهرب وحيل قطاع الأعمال.

عندما نسمع مقدمة من أي مسؤول تقارن النسب مع بعض الدول بقصد تخفيف وقعها أو ضررها نعرف أن المسؤول يبرر الفشل، وعندما نسمع من المسؤول تقسيم البطالة إلى ذكور وإناث، نعرف أنه يبرر الفشل، وعندما نسمع من المسؤول تمجيد المخرجات من دون ذكر للنتائج، ندرك أنه يحاول الهروب من تهمة الفشل، وعندما يتعرض المسؤول لمخرجات التعليم وتوافقها مع سوق العمل، نعرف أن العجز بلغ مبلغه وكأنه يقول فشلت ولا تلوموني... الفشل والهروب والعجز مرفوضة في قاموسنا، أو هكذا يجب.

ختاماً، نصيحة إلى كل مسؤول ينتمي لوزارة العمل: توقفوا عن تصريحات الأرقام، فكما يقول المثل الشعبي «احكوا على كيفكم محد قايل تكذبون».


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.