.
.
.
.

الطائرة الخامسة.. من الكاسيت إلى تويتر!

محمد الرشيدي

نشر في: آخر تحديث:

وأنا متعمق برواية "الطائرة الخامسة" للإعلامي محمد العمر، وجدت نفسي أمام استفهامات متعددة، طرحتها المراحل التاريخية الموجزة بحقبة مهمة في حياتنا عاصرتها شخصياً وعاصرها الكثيرون، ومازالت للأسف سلبياتها تعيش بيننا ومن الخوف أحياناً أن تعود لها الحياة بشراسة كما كانت في الثمانينيات الميلادية.

في أوراق إرهابي فاتته رحلة أفغانستان أعطانا محمد العمر تسلسلاً زمنياً هاماً يتمثل بفترة الصحوة وتأثيرها المباشر على فكر الشباب السعودي، تحت تأثير نجوم "الكاسيت" في تلك الفترة، ومن جماليات الربط السلس بالرواية أنك تستطيع أن تسقط أحداثها ومجرياتها على الوضع الحالي بعد مرور عقدين من الزمن تقريباً، والأدهى والأطرف أن نجوم تلك الفترة هم النجوم حالياً، ولكن بوسائل إعلامية أكثر تطوراً واحترافية ممثلة بشبكات التواصل الاجتماعية أو الاعلام الجديد وخصوصاً على مستوى تويتر وفيس بوك، واليوتيوب أيضاً.

في جزئية من الرواية يذكر المؤلف: "أولئك المشايخ ينهجون التسويق لبعضهم عبر تلك المحاضرات (من خلال الكاسيت) وينصحون طلابهم بالاستماع إلى (فلان وعلان) ويثنون عليهم...". هذا التسويق المتبادل للكاسيت هو الآن موجود لدينا وبصورة أكثر تطوراً، فعلى مستوى تويتر هنا الثناء والإشادة والإعجاب بأطروحات بعضهم البعض وعمل "الرتويت" لهم، فينجذبون لمن تمت تزكيته ويكون الفكر واحدا ولكن بأساليب وطرق متعددة.

في "الطائرة الخامسة" عشت جزئية مهمة من حياتنا، بأسلوبه الأدبي المشوق جعلنا العمر نختصر عشرات السنين بوريقات هامة تجسد جوانب ليست غافلة ذكراها وأحداثها عن مخيلتنا، ولكن غير متصورين للتفكير بها بأسلوب علمي واضح لكي ندرك خطورتها علينا حتى في المستقبل، كون الفكر المتشدد نفسه مازال موجوداً ولكن الخطورة أن أدواته تطورت.

لماذا التعامل درامياً بعمل سينمائي أو تلفزيوني أو مسرحي مع أفكار رواية "الطائرة الخامسة" ومثيلاتها، يعتبر من المحظورات أو لنلطف العبارة ونقول من غير المرغوب فيه، فللأسف هناك أعمال سعودية محدودة تناولت جزئيات بسيطة من هذا الأمر على استحياء، فظهرت دون المأمول، الإرهاب وجذوره وأفكاره التي تختفي حيناً ولكنها لا تموت, يحتاج منا لأعمال من المهم أن نقول انها وبصريح العبارة "توعوية"، الفكر يحتاج لفكر لكي يجابهه، مللنا من التركيز على أعمالنا الدرامية الخاصة بالضحك والاضحاك، ما حدث لبطل "الرواية" محمد من أحداث دراماتيكية من السهل أن يحدث لجيلنا الحالي وأجيالنا القادمة!

أحداث الطائرة الخامسة أعادتني لمشهد مر علي بمطار اسطنبول قبل شهر تقريباً، فعند توجهي للمطار الداخلي للسفر لمدينة أخرى، قابلت شاباً سعودياً صغير السن، يسأل عن الطائرة التي ستنقله لإقليم اسكندرون، وقوله لي انه سينتظر بالمطار أكثر من ثماني ساعات، فسألت عن السر، فكانت إجابة أحدهم صاعقة بالنسبة لي، أن هذا الشاب اليافع قد يكون على موعد لتهريبه لسوريا للمشاركة مع الثوار هناك، فعادت بي الأحداث لذكريات أفغانستان وقبل سنوات العراق، وتأثير ذلك طبعاً فكرياً وعملياً للأسف علينا بالداخل!

نحتاج لأعمال درامية وأدبية تجسد الواقع المرير للفكر الإرهابي، لا ننتظر ونتساهل بما يجري حولنا، فيصبح لدينا أكثر من "محمد" بطل الرواية، ولا نتوقع أن الطائرة قد تفوتهم، فالتاريخ يتكرر مع ما يجري حولنا مع تغير مسميات الأماكن ولكن لم تتغير توجهات من يستغلون أحداث الأماكن!

*نقلاً عن "الرياض" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.