مدينة «جحا» الفاضلة!
الهدف من وضع القوانين تسهيل حياة الناس ورعاية «معايشهم» بما يضمن تحقيق الرخاء والأخذ على يد الطامع والمعتدي ليكف أذاه عن عباد الله المستضعفين، فإذا رأيت العكس بتعقيد الإجراءات والتضييق على الناس فاعلم أن هناك خطأ كبيراً بحاجة ماسّة لإصلاحٍ عاجل وسريع لاحتواء آثاره السيئة، ولاشك أن هناك عديداً من الآثار السلبية ستنشأ في هذه الأوضاع العكسية، فالمسكين الذي لا يجد «القوة» ولا « يأوي إلى ركن شديد» لن ينال حقه، مما يجعله يفقد ثقته في القانون الذي سيتحول إلى «ملهاة» للتندر والسخرية من جملة «ردد يا ليل ما أطولك» وأخواتها ومن هذا القبيل! وهو ما يشجع «القوي» على الاستمرار في ظلمه أو عدوانه لأنه أمِن «الردع»، كما أن هذا الوضع المائل فيه تشجيع للالتفاف على القوانين بصورة تجد القبول من مبدأ «مكره أخاك لا بطل»، فتعلل تلك الوسائل بالاضطرار لا للحصول على باطل بل لاسترداد حق مهضوم، والمجتمعات التي فتح الله عليها تدرك أهمية هذا الأمر في تماسك المجتمع وقوته، لذا لا تفرق قوانينها بين أحد، فالجميع سواسية يشكرون على جهودهم في الصالح العام ويعاقبون إن تعلقوا بالفعل «الطالح»! وثمة أمر في غاية الأهمية يفطنون إليه كثيراً وهو وضع المسؤول المناسب في المكان المناسب، فهم لا يسقطون مثلنا –لا سمح الله- في المحسوبية والمعرفة والمصاهرة وطريقتنا المشابهة لـ»زوجه ليعقل» بـ»وظفه ليعقل»، بل ينزعون لتوافر امتلاك المهارة والقيادة فيمن يتسنّمون المناصب لمعرفتهم أن ذلك من أهم الدوافع لامتلاك مؤسسات الدولة وجميع القطاعات العاملة القوة التي ستنعكس بالطبع على قوة الدولة، فالبقاء للأصلح والأنفع، أما الزبد فيذهب جفاءً بناءً على طلبه صوب «مدينة جحا الفاضلة»!
*نقلاً عن صحيفة "الشرق" السعودية