.
.
.
.

وزير "التعليم" في ورطة!

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:

لا أدري ما هي قصة «التباهي» الدائر في البلد هذه الأيام، هل سببه دخول فصل الربيع الذي يصاحبه عادة تحسس يدفع بعض الأجسام للمقاومة، ظناً منها أن سموماً تهاجم الجسم، أم أنها منافسة تدور رحاها بين المسؤولين وكل يقول إن وزارته في أحسن حال؟ المشكلة أن التباهي لم يعد على المستوى العربي بل تجاوزه إلى أميركا وفرنسا وأخيراً فنلندا، حتى ضيّع مسؤولونا «الطريق الصحيح في القول والتصريح». وزير التربية والتعليم الذي ظهر أخيراً في سباق التصريحات قال: «إن معلمي وزارته يقبضون رواتب أعلى من رواتب المعلمين في فنلندا». يا لها من ورطة يا معالي الوزير، فإن كانت هذه حقيقة فتلك مصيبة، وإن لم تكن فالمصيبة - كما عرفناها من قبل - أعظم، فقبل أن نعرف أن رواتب معلمينا تنافس معلمي فنلندا عرفنا أن موازنة التعليم لدينا 25 في المئة من الإنفاق الحكومي، وفي آخر موازنة بلغت ٢٠٤ بلايين ريال، في حين أنها في الدول الصناعية مثل فرنسا وألمانيا لا تتجاوز 12.3 في المئة، وفي الدول النامية 18.4 في المئة، كما نعلم أيضاً أن هناك موازنة قدرها 9 بلايين ريال سعودي رصدت لتطوير التعليم لدينا، لكن التطوير وقع في «حيص بيص» ما هو مقدس وما هو حصيف، وانتهى الأمر بأن طلابنا احتلوا آخر القائمة في مسابقات الرياضيات والعلوم الدولية، والمفاجأة أن كل الدول العربية والإسلامية والخليجية وبموازنات أقل تقدمت علينا، ولم يبقَ من نتقدم عليه سوى الصومال والنيجر، وحتى في اللغة العربية نحن الأسوأ، مع أن جميع الأفلام التي يشاهدها الطلبة مترجمة لأنهم أيضاً لا يعرفون الإنكليزية.

وما زاد طين الوزارة بلة أن جامعاتنا أيضاً صارت لا تثق بنتائج الوزارة، فأصبحت تُخضع خريجي الثانوية العامة لاختبار قياس قدرات عام، يكرم فيه خريج الثانوية أو يهان، وصممت لهم سنة تحضيرية كي تخلصهم من عوالق التعليم العام الذي صار لزاماً عليه أن يستغني عن معلمي فنلندا، ويعوض عنهم بمعلمين متدربين في سنغافورة لأنها الأولى في الرياضيات. لكن الفضيحة الكبرى في جبين الوزارة ليست نتائج المسابقات الدولية والمحلية، بل في بنيتها التحتية، فلا تزال 30 في المئة من مدارسها مستأجرة على رغم رصد بليوني ريال عاجلين لأجل التخلص من هذه المشكلة فقط، وحين أقول مستأجرة فإنني أعني فللاً سكنية يدرس طلابها في فصل صمم كي يكون مطبخاً أو مجلس عائلة صغيراً. وما إن أعلن الوزير تصريحه المتباهي برواتب المعلمين حتى انطلقت حملة ضده تبث صور المدارس التي درس فيها المغردون شباناً وشابات، وكأنهم يقولون: «الميّه تكذب الغطاس»! صور الفصول لم يأكل الدهر عليها ويشرب فقط، بل أكلها الدهر وشقق جدرانها وسقوفها، وجعل دورات مياهها غير صالحة للاستخدام الآدمي.

ولأنني لا أثق بما تراه عيني في موقع «تويتر» الشقي، فقد عدت إلى بعض التقارير الصحافية، ومنها ما بثّه برنامج الثامنة على «إم بي سي» لأشاهد الطلبة وهم يتحدثون عن مكيفاتهم العطلانة، وفصولهم التي تحضر فيها فئران وصراصير، وحمامات منعدمة النظافة - هذا ونحن لم نتجاوز العاصمة بعد ولم نصل إلى نجران وجازان وشرورة - أما شروط الأمن والسلامة فالحديث عنها يصبح من البذخ الذي يخاف المرء أن يعاقبه الله إن سأل عنه في ظل غياب الحاجات الأساسية. لو كنت مكان الوزير لاعترفت بأننا نعاني من أزمة تعليم، والأزمة لم يتسبب بها الوزير بل رؤية التعليم نفسها التي تسير في اتجاه معاكس للزمن، والنتيجة أنها تأكل ربع موازنة بلادنا، ولا تمنحنا نصف جيل قادر على القيام بنصف حاجته على الأقل، ولهذا فنحن نسأل: «وين راحت الدراهم»؟

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.