المخدرات تقتلنا
كثير من رجال الأمن يقدمون حياتهم فداء لأمننا وراحة بالنا، ويوميا هناك ضحية يسفك دمها أو يشوى جلدها أو يصاب صاحبها بعاهة مستديمة أو تتعطل حياته يحدث هذا ونحن لا نفكر مليا بقيمة هؤلاء الرجال الذين يقدمون أرواحهم من أجلنا، وبالأمس استشهد أحد رجال الدفاع المدني في مدينة جدة أثناء تأديته لواجبه في إطفاء حريق شب في أحد المنازل.. وحماية الوطن في الداخل وعلى الحدود قائمة على عزيمة رجال يعلمون علم اليقين أن أدوارهم ما هي إلا صمام أمان في إبقاء حياتنا آمنة رغدة.
ويلعب رجال سلاح الحدود ورجال الجمارك أدوارا مهمة في حماية أمننا الداخلي بمطاردة وكشف المهربين للسلاح والمخدرات وهي أدوار تمثل خط مواجهة أولى لحماية أمننا وشبابنا من الانقياد والانغماس في تعاطي المخدرات والإعلان الأخير لوزارة الداخلية وتمكن رجالها (في فترة أربعة أشهر ماضية) القبض على 834 متهما بتهريب مخدرات تقدر قيمتها السوقية بـ 1.3 مليار ريال يدخل ضمن حماية الوطن من تفشي المخدرات محليا.
وعمليات القبض هذه عمليات متلاحقة تدل على المثابرة في تتبع المهربين والمفسدين ومع كل عملية قبض ومعرفة الكمية والقيمة السوقية لتلك المخدرات أجدني أعاود القول إن القيمة السوقية المعلنة للمخدرات تدل على استهداف البلد كسوق رائج لتمرير تلك الكميات التي تحقق أرباحا عالية، مما يجعل المملكة سوقا مستهدفا يسعى فيه المروجون لتلبية احتياجات المستهلكين (والعمل أيضا على اتساع أو ارتفاع نسبة المدمنين).
كما أن القيمة والكميات المضبوطة (على فترات مختلفة) تعطي دلائل أخرى أهمها أن هناك مستهلكين للمخدرات يفوق ما نتوقعه، بدلالة أن الكمية المقبوض عليها مرتفعة الحجم، وغالبا يكون القبض على القليل وليس الكثير، وهذا يتطلب ضرورة زيادة الحيطة والحذر والتشديد وزيادة الإجراءات الكفيلة بمنع تسرب كميات إضافية بطرق ووسائل مستحدثة أو بتواطؤ أصحاب النفوس الضعيفة.
ومع افتراض وجود المستهلك لكل هذه الكمية (الظاهرة) فإن الأمر يستوجب الالتفات إلى الجهة الأخرى، وهي ماذا فعلنا من أجل معالجة المستهلك؟
وهي النقطة التي أستهدفها في كل مقال يكتب في هذه القضية، إذ أننا ومنذ زمن بعيد ونحن نرفع شعار مكافحة المخدرات، وهي مكافحة أمنية في المقام الأول بينما بقية وسائل المكافحة يعتريها القصور وليست بالكفاءة المطلوبة، فأوضاع المدمنين تشير بصورة واضحة إلى تواضع الإمكانات المقدمة سواء كعلاج أو متابعة.
ومشكلة هؤلاء المدمنين التخلي عنهم صحيا واجتماعيا، فالتخلي الصحي يتمثل في قصور تصفية الجسد من أثر المخدر بحيث لا ينهض العلاج الصحي بدوره كاملا مما يمكن المدمن من العودة إلى الإدمان مرة ثانية وثالثة، وفي الجانب الاجتماعي يتم إقصاء المدمن والتخلي عنه في عدة مستويات أهمها التوظيف وقطع العلاقات الإنسانية به.
ومن المفترض نهوض الجهات المعنية بعلاج المدمن بنفس القوة والصرامة المتبعة أمنيا في عدم تسلل هذه المخدرات لداخل البلد، بل يجب أن تكون حماية المستهلك لها أكثر نشاطا وعزما كون المدمن في الداخل أي أنه هو الذي يخلق السوق، فلو تم علاج المدمن فلن يكون للمخدرات سوق.
الأمر الآخر يتعلق بحماية غير المدمنين، خاصة الشباب والشابات، بتكثيف التوعية وأن لا تقتصر هذه التوعية على فترات زمنية متباعدة.
أخيرا ربما تشير الكمية إلى أننا في خطر حقيقي وأن المستهلك لهذه المخدرات قد زادت نسبته أكثر مما كنا نتوقع، وإذا صح هذا التوقع فإن الأمر يستوجب مراجعة آليات مكافحة المخدرات بصورة جذرية.. هذا القول أقوله في كل مرة إلا أننا نجد أمنيا ونتقاعس في بقية الجوانب.
*نقلا عن صحيفة "عكاظ" السعودية.