.
.
.
.

مدننا واستنساخ كولسترول مرور العاصمة

فهد السلمان

نشر في: آخر تحديث:

تقتضي القاعدة العلاجية عادة عند الإصابة بأي علة أن تتم المبادرة بعلاج الجزء المعتل، مع أخذ التدابير الوقائية اللازمة لمنع انتقال تلك العلة إلى مكان آخر، وإذا ما كانت هذه القاعدة يُمكن أن تنسحب على معوقات التنمية بحيث يتم تفادي أي مشكلة حدثت في هذا المكان لئلا تحدث في مكان آخر، فإن المرور والبلديات كما يبدو لا يريان أن لهما أي علاقة بهذه القاعدة الموضوعية.

نأتي إلى الرياض أو جدة فنشعر بالاختناق جراء ازدحام الطرقات بالسيارات، ونرى كيف يُنفق الناس معظم أوقاتهم في الشوارع، مع كل ما يُصاحب هذا الوقت المهدر من حرق للأعصاب، وتحوّل وسائل النقل إلى أدوات لرفع الضغط والسكر، ونلمس حجم تكاليف العلاج لتلك المشاكل المرورية مالاً ووقتاً وجهداً، ونحمد الله أننا لازلنا نعيش في مدن لم تجرب طرقاتها بعد معنى أن تغص حد الاختناق بكتل الحديد المتحرك، غير أن واقع الأمر يقول إننا وفي جميع المدن بلا استثناء نتجه وبسرعة البرق إلى استنساخ ذات المشكلة التي تعاني منها المدن الكبيرة نتيجة غياب التخطيط، وقصر الرؤية، خاصة وأن تصميم الشوارع واتساعاتها لا تزال تؤخذ بمقياس ما قبل ثلاثين سنة بحيث لا تتسع لأكثر من سيارتين متعاقبتين.

في حائل كمثال لهذا البؤس التخطيطي والتي لا تتوافر سوى على شارع واحد يصل شرقها وجنوبها بشمالها هو طريق الملك عبدالعزيز والذي لا يزال يعاني من كوليسترول المرور نظراً لأن مساراته لا تتسع لأكثر من سيارتين في أحسن الأحوال، حيث لا تبدو أي بارقة أمل في توسعته في المدى المنظور، في هذه المدينة وأنا أقدمها هنا كمثال فقط لما يجري في مدن أخرى من واقع المعايشة.. يتحول الطريق الدائري كل صباح إلى شارع داخلي يكاد يحمل ملامح طريق الملك فهد في العاصمة حيث يهرب الناس من ضيق الطريق العام وإشاراته واختناقاته إلى هذا الطريق ليجدوا أن المدينة كلها تستخدمه صباحاً ومساء للوصول من وإلى الجامعة أو المجمع الحكومي.. بفضل غياب البدائل الأخرى. بل غياب الرؤية التخطيطية السليمة التي تقتضي أول ما تقتضي الاستفادة من تجربة الرياض وليس استنساخ أزمتها مع المرور، وتجهيز هذه المدن لمواجهة حجم النمو المستقبلي فيها قبل أن تستفحل المشكلة، وترتفع فاتورة التكاليف.

وفي تقديري انه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام المسؤولين في هذه المدن لتفادي مأزق الرياض وجدة على مستوى حركة المرور، وتخفيف نسبة الاحتقان المروري وبتكاليف مقبولة نوعا ما، قد لا تكون متاحة عاما بعد آخر.. شريطة الإسراع في إنجاز البدائل، وتصويب سعة الشوارع في المخططات الجديدة، والاعتماد على علم الهندسة المرورية كعلم قائم بذاته، عوضاً عن انتظار وقوع الحوادث هنا أو هناك لفتح أو إغلاق هذا الطريق أو ذاك بصبات الكونكريت، هذه المعالجات البائسة ما عادت تلائم مدننا التي باتت تنمو عمرانياً وسكانياً على مدار الساعة.. إذ لا بد وأن تكون لدينا رؤية لمستقبل الحركة فيها على مدى عقود قادمة، حتى لا نجد أنفسنا عاماً بعد عام في مواجهة معالجات باهظة الكلفة كان بالإمكان تفاديها لو تمت الإفادة من تجارب المدن الكبرى.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.