مجريات الأحاديث الخاصة في الشأن العام - الفساد أنموذجاً

مانع اليامي
مانع اليامي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

الحفر في طبقات بنية الحديث والنقاش في المجالس السعودية العامة أو الخاصة أو الديوانيات كما يطيب للبعض تسميتها ينتهي بصفة عامة إلى وجود شبه عصف ذهني بنتائج متباينة، غير متفق عليها بالإجماع في غير حدود الإثارة وفي أحسن حالات الحفر يثور عج الأسئلة وتستفز العقل كل ما اتجه إلى العمق، رحى الحوارات تدور على قضايا عامة متنوعة ولا يعكس التعاطي في غالبها منطق النقد العادل ولا يؤشر أيضاً على خط أو مستوى ثقافي محدد المعالم يمكن التنبؤ بفاعليته في تدوير وإدارة المسار نحو الأفضل، الآراء في مجملها مختلفة وقلما تلتقي، وهذا على الأقل في البقعة الجغرافية التي أعرفها وما يلامس خطوط طولها وعرضها؛ حيث تطل السطحية غير المتسامحة برأسها على الخلل أياً كان نوعه منذ لحظة الإعلان عنه إلى جانب العشوائية المتشددة في دورات معظم الحوارات والأحاديث في ظل جو عام يلوح في أفقه عجز واضح في المعرفة التخصصية والثقافة العامة المكتسبة التي يمكن أن تمهد لأدنى درجات التأثير في قناعات المتلقي وإخضاعه للتسليم بالرأي ولو حتى جزئيا إلا فيما ندر. هذا التشخيص المطلق القابل للخطأ لا يجحد وجود النخب الثقافية الفاعلة، ولكنه لا يعترف بتأثيرها بلا حدود، ولا يلغي في الوقت نفسه سمة الاتفاق والتمركز حول شأن عام معين يظهر فيما بعد أن مسببات الاتفاق حوله وعليه مبنية في الأصل والمنشأ على إخباريات مواقع التواصل الاجتماعي وتوحد لغتها تجاه وجود خلل أو كشف مخالفات مضادة لطبيعة السلوك الوظيفي السوي، ومخالفة للنظام المعلن لضبط وإدارة شؤون الحياة العامة المعنية بخدمة ورعاية المجتمع، وأحياناً يتم الاستناد على وسائل الإعلام مع خليط قليل من سعة الاطلاع القادرة على فك الاشتباك بين الحقيقة ونقيضها، ومما يلفت النظر في هذا الجانب تحديداً أن الفساد المالي والإداري ولربما غياب النزاهة تتصدر كل نقاش ويقل في شأنها الجدل في مسألة الوجود وعدمه؛ حيث تتجه كافة القناعات إلى تفشي الظاهرة واستمرارها تحت ارتفاع نبرة سؤال الحجة – من أين لك هذا؟ وما يلحق بهذا السؤال الذي تتوارى الإجابة عليه في دائرة الاضطراب والشكوك على ضوء ضعف التبرير الرسمي حيناً وتلاشيه أحياناً. والناس في هذا معذورون فمفاجآت الواقع أربكت الذهنية وخارطة الفساد المهني وتنوع أماكن ظهورها ساهمت في التشويش، وغيبت الاستثناء لتؤطر لمساحة شاسعة تلعب فيها الظنون والريبة ليحزم الشك حقائبه مرافقاً دائماً لكل سياسة عمل أو مرحلة بناء، وفي هذا ما يبعث على الحزن بحكم نهاياته التي تصادر بهجة إطلالة المنجز الجديد أو مكانة وقيمة ما سبقه من منجزات وطنية يؤلم تناسيها وعدم الاعتداد بها كشواهد ترصد مسيرة النهضة.
كل ندب في وجهة التنمية في حاضر الأيام معقود على ذمة فاسدة، هذا هو السائد ولا عذر يمكن التماسه لإحلال ضعف الجودة المهنية وضعف الخبرات كبدائل مستساغة، لم يعد العقل السعودي بثنائية الجنس – ذكر، أنثى – بصرف النظر عن أن اختلاف المراحل العمرية قادر في الغالب الأعم على قبول أي مبررات لتغليف صفة الفساد وترحيلها عن أي بيئة إنتاج اهتزت جودتها لأي سبب من الأسباب المهنية.
والسؤال: مَن أسَّس لهذه القناعات وفصل لباسها على قياسات ذهنية المجتمع؟ الجواب في تقديري المتواضع أن تعاطي بعض المؤسسات الرسمية مع قضايا الفساد كطرف مشتبه به أو طرف متهم هي من يقف خلف ذلك والمسوق له بل الراعي الرئيس لكل مراحله، والحديث في هذا الجانب يطول ويطول، ومما يمكن الإشارة إليه ولو حتى في هيئة ظن في ضلوع القائمين على بعض المؤسسات الرسمية في التسويق لوجود ظاهرة الفساد وتضخيمها والتنويه عن استمرارها، التذاكي الإداري والاعتماد المطلق على مكيجة الواقع بمساحيق غير مقاومة لحرارة التساؤلات ووسع عين المجتمع في ظل وجود حالات فساد ضخمة ثابتة في صدر الواقع، هذا بالإضافة إلى العناد الواضح لما يطرح في وسائل الإعلام وعدم التفاعل مع الأحداث في الوقت المناسب بالشجاعة المفروضة، رغم وجود توجيهات عليا ملزمة لمقابلة ما ينشر في وسائل الإعلام بشفافية تصارح الواقع ولا تضلله.
إذاً فالمسؤولون عن دوران عجلة التنمية هم المسؤولون عن تدني قيمة المنجز الوطني والمبشرون بالفساد، هل من مسؤول شجاع يكسر القاعدة؟ ودمتم بخير.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.