.
.
.
.

هات الجنادرية... رد الجنادرية!

يوسف المحيميد

نشر في: آخر تحديث:

رغم أننا في الدورة الثامنة والعشرين من المهرجان الوطني للتراث والثقافة، أي نكاد نكمل ثلاثة عقود من السنوات، وهو زمن طويل تشكل خلاله أكثر من جيل في هذا المجتمع، إلا أننا ما زلنا نشكك في جدواه، بل وصل بفئة من الناس أن تحاربه قبل أن يبدأ، وخلال فعالياته، وترى فيه منكراً يجب الوقوف أمامه، فلا نعرف هل المهرجان أصبح أكثر انفتاحاً؟ أم هذه الفئات أصبحت أكثر تشدداً في الموقف؟ أم أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تلتقط كل موقف، وتضخمه حتى يطغى على ما عداه من جماليات وفنون في هذا المهرجان الوطني؟

لا شك أننا تغيرنا، والتغيير سنة الله في خلقه، فوقوف المجتمعات دون حراك هو موت لها، كما يرى الإمام الشافعي: إني رأيت وقوف الماء يفسده، إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب، فمن كان يتحرّج قديماً من لفظ «وطن» أو «وطني» أصبح ينافس للظفر بهذا اللقب، ومن وقف ضد الاختلاط بكل صوره، حتى في الأماكن العامة، أصبح يراه مقبولاً ولكن بشروط محددة، وهكذا بمراجعة بسيطة للمواقف سنجد أننا جميعاً أحياء، كماء الشافعي، ساح أكثرنا، وطاب بالتغيير والتفهم والتسامح!.

قبل أيام نشرت مواقع التواصل الاجتماعي، وبالذات تويتر، مقطعاً لرجل ذي مشلح أسود، وسط رجال الحرس الوطني الذين يشرفون على الفعاليات، ووسط صيحات النساء، وخلفه مئات التعليقات التي يندر فيها التعليق الذي لا يحمل بذاءة، ولا شتائم وكلمات نابية، كانت هي الاختبار الحقيقي لتربيتنا، تلك المفردة التي تسبق كلمة التعليم في مسمى أكبر وزارة تحظى بدعم الميزانية «التربية والتعليم».

ولعل المضحك والمحزن، أن هذا الموقف، وبرغم بيان الجنادرية حوله، قسم المجتمع إلى فسطاطين، أحدهما يرى أن لا يجوز سحب رجل يمثل الدين والورع بهذه الطريقة، والفريق الآخر يرى أن الدولة تتساهل مع هؤلاء، فلم تعاقب هذا المتهور! وليت الأمر توقف عند ذلك في قراءة هذا المشهد، بل امتد إلى تفسير صيحات النساء المحيطات حول هذا المشهد، في جناح الإمارات، هل هي صيحات انتصار، ومؤازرة لرجال الحرس، أم هي صيحات استهجان ضد ما يحدث لهذا الرجل؟

في كل الأحوال، وحتى لو كان فعلاً المشرف على جناح الإمارات قد استبعد ثلاثة شبان «وسيمين» حفاظاً على افتتان النساء بهم، فإن ثقافة الشك وتفسير النوايا هي ما تدمرنا، هي ما تجعلنا أشخاصاً غير ناضجين، وغير مكتملين، تقودنا غرائزنا لا عقولنا، ولا إيماننا، فلا يعقل أن تكون النساء اللواتي تربين في مجتمع إسلامي على شفا جرف، للانسياق خلف غرائزهن، وهذه المواقف الشكاكة الوسواسية، هي ما تحرض المجتمع يتمرد بطريقة غير متزنة!.

علينا أن نؤمن أولاً بقيمة الفنون والآداب وأهميتها في حياة الإنسان، ثم نؤمن بأن المجتمعات تنمو وتتطور بفتح النوافذ مشرعةً للفنون والآداب، ومن ثم نفسح لها المجال كاملاً لكي تنمو وتتطور خاصة في مجتمع، كمجتمعنا، لديه من الكفاءات والمواهب ما يصيب بالحيرة فعلاً... لنكف إذن عن مطاردة الجنادرية، هاتها، ردّها، بل لنتركها تنمو كالشجر في صحرائنا الموحشة!.

*نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.