.
.
.
.

سفراؤنا في أمريكا .. شكرا

حمود أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:


الشخصية التي ترتكب العنف في أي شكل من أشكاله بحق الإنسان المسالم هي شخصية غير سوية في تكوينها النفسي، وعندما يبلغ هذا الخلل أسوأ درجاته يكون الفعل المختل في أبشع صوره، متمثلا في أي ممارسة تفضي إلى إزهاق أرواح الأبرياء دون تفكير أو تردد. والحال لا يختلف لدى من يرتضي هذه الجريمة أو يحاول تبريرها وتسويغها تحت أي غطاء أو ذريعة، الفرق الوحيد أن الثاني لم تصل علته النفسية درجة السوء والتعقيد التي وصل إليها الأول. كل المبررات الصريحة أو المواربة لترويع مجتمع إنساني والتسبب في قتل بعض أفراده ــ أيا كان هذا المجتمع ــ هي أعراض لذات مريضة وغير أخلاقية وعلى قطيعة مع المشاعر الإنسانية الفطرية.
الذي حدث في مدينة بوسطن وراح ضحيته أكثر من إنسان وأصيب عدد كبير هو اقتراف لفعل غير إنساني بغض النظر عمن نفذه، أمريكيا كان أو من أي مجتمع آخر، ودوافعه مهما كانت لا يمكن قبولها، فالإنسان السوي يجب أن يتألم لهذا الفعل أينما يحدث، وفي أي مجتمع بغض النظر عن أي اختلاف معه في أي شأن؛ لأن الإنسانية هي التي يجب أن تؤطر كل البشر باختلاف أعراقهم ودياناتهم ومعتقداتهم وأفكارهم واختلافاتهم وخلافاتهم، وحين نكون مجتمعا مسلما فإننا الأولى تمسكا بهذه القيم الإنسانية والتعبير عنها، فما بال بعض منا يعبر جهرا عن سعادته بما حدث في ماراثون بوسطن، أو يزج به في سياق لا يتسق أبدا معه؟.


ذلك الشارع في بوسطن لم يكن البيت الأبيض أو البنتاجون أو مقر الـسي آي أي حيث تتخذ القرارات السياسية. والمشاركون في الماراثون ليسوا أعضاء في فريق الإدارة الأمريكية. هم بشر عاديون لا دخل لهم بهذه الأمور، خرجوا في مناسبة رياضية اجتماعية تقليدية لتمنحهم جرعة من البهجة، فإذا يالانفجارات تروعهم وتحصد بعضهم. قد لا نتفق مع كثير من ممارسات السياسة الأمريكية في العالم، ولا نقر كثيرا من أفعالها، ولا نختلف أنها في سبيل تحقيق بعض أهدافها تجاوزت كثيرا من الضوابط والمعايير الإنسانية، لكن كل هذا لا يتيح مسوغا أخلاقيا للفرح بقتل وترويع بعض مواطنيها الذين لا علاقة لهم بما يحدث خارج أمريكا، وربما لا يعرفون من العالم إلا أمريكا.


والأسوأ من ذلك أن شبابنا المبتعثين هناك لم يسلموا من النقد والتجريح حين سارعوا بتنفيذ مبادرة إنسانية رائعة تمثلت في تبرع بعضهم بالدم للمصابين في الانفجار، ليثبتوا تحضرهم ورسوخ المبادئ الأخلاقية في ضمائرهم، فما أن ظهر الخبر في مواقع التواصل الاجتماعي حتى انبرى البعض لتقريعهم ولومهم. فشكرا لأولئك الشباب؛ لأنهم كانوا سفراء نبلاء لمبادئ دينهم وقيم مجتمعهم الحقيقية، أثبتوا أنهم الذين يجسدون فعلا فضيلة التعايش الإنساني والتصالح مع الإنسان أينما كان ومهما كان.

*نقلاً عن "عكاظ" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.