.
.
.
.

الجنادرية ومعرض الكتاب: الدمى عندما تتحرك!

عبدالله ناصر العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

كتب الزميل جميل الذيابي في هذه الصحيفة قبل أسبوع مستغرباً من بعض الحملات المنظمة التي يشنها بعض المقيمين في السعودية ضد قرار «تنظيف» البلد من العمالة الموجودة في شكل غير نظامي، أو التي تمارس نشاطات تختلف عمّا هو مدون في السجلات الرسمية، أو تلك التي تعمل في ظروف وأماكن وبيئات غير مصرح بها من السلطات الرسمية.

وقال الزميل جميل إن «العجيب هو خروج مجموعة مقيمة في المملكة تعارض وتستهزئ بقرارات دولة داخل أراضيها وضمن سيادتها، وكأن المخالفين أصبحوا شركاء للسعوديين في بلادهم، أو كأن المملكة مجبرة على تدليل المخالفين وتذليل المصاعب أمامهم! مثل هؤلاء يخطئون ويجب عليهم أولاً احترام القرار، والبدء في تصحيح أوضاعهم، وحض أمثالهم على الالتزام بسيادة القانون».

استغراب الزميل جميل منطقي ويقوم على حقيقة حسابية بائنة: تصحيح الخطأ بضريبة مرتفعة مرة واحدة أولى من المضي فيه بلا توقف بضريبة أقل كلفة! الكلفة الأقل بلا نهاية شريك غير رسمي في لقمة العيش، فيما الكلفة العالية خسارة موقتة. الكلفة القليلة المستمرة: مهدئات ومسكنات، والكلفة العالية جراحة مؤلمة تأخذ معها المرض وتمضي.

واليوم سأضيف إلى استغراب جميل استغراباً آخر، يشبهه في الملامح لكن بقلب مختلف!

ففي الوقت الذي احترمت بعض الدول القرارات السعودية ورفضتها دول أخرى، انبرى بعض السعوديين في الداخل إلى مهاجمة القرار والتحريض ضده والدعوة إلى تعطيله.

قرار فيه مصلحة وطنية عليا لا يمكن أن تتعارض مع أي من المصالح الوطنية الأخرى، ومع ذلك ينبري بعض الدعويين والوطنيين (كما تشير سيرهم الذاتية القصيرة في معرّفاتهم الإلكترونية) إلى الوقوف ضده والمناداة بمجابهته تحت مظلة عريضة من الذرائع الواهية المنتقاة بعناية مثل: الضرر المباشر على التجار الصغار، والأخوة التي تربطنا ببعض الجنسيات المخالفة، وسرعة تطبيق القرار فيما هناك الكثير من القوانين والقرارات التي لم تجد حتى الآن طريقاً للتحقق على أرض الواقع!

قد أختلف مع بعض المقيمين هنا الذين يحاربون القرار، لكني أتفهم مبرراتهم التي لا تتطابق مع مصالحي وحاجاتي وإدارة شؤوني. لست متفقاً معهم على طول الخط، لكني أعرف في المقابل أن هذا القرار الذي سيصلح شؤوني سيؤثر في أحوالهم المالية بالسلب.

أفهم كل ذلك، لكن ما لا أفهمه هو قيام بعض السعوديين بتشكيل جبهات إلكترونية و «مساجدية» للتعبير عن رفضهم لمصلحة وطنية عليا!

مثل هذا السلوك لا يمكن فهمه إلا عند مقارنته بسلوكيات أخرى تقف مع أو ضد أو «تصمت» في مواجهة مواقف أو أحداث عامة.

قبل أربعة أيام، قمت بزيارة إلى معرض التعليم العالي في أرض المعارض بمدينة الرياض، وهناك رأيت الفتيات والشبان السعوديين بمختلف الأعمار يجوبون ردهات المعرض بكثافة كبيرة. ورأيت أيضاً الكثير من الجامعات الأميركية والبريطانية تستعين بخدمات طالباتها السعوديات (كعارضات في الأجنحة) في توصيل رسائل تجارية لجذب الطلاب والطالبات السعوديات للدراسة فيها. ورأيت كذلك الكثير من الجامعات السعودية وقد استعانت بموظفات سعوديات «ليختلطن» بالرجال من أجل أداء مهمة واحدة جاء من أجلها الرجل والمرأة: التنافس العلمي والمعرفي.

أكثر من ٤٠٠ جامعة أجنبية وسعودية. وعشرات الآلاف من الرجال والنساء الزائرين، ومئات العارضين والعارضات من مختلف الجنسيات، ومع ذلك لم أرَ رجلاً واحداً يمثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لم أرَ مـــن يدور فـــي أروقة المعرض ليأمر هذه بالستر أو ينهى هذا عن رفع البصر!

وفوق هذا كله لم يتطرق أحد في «فايسبوك» أو «تويتر» أو خطب الجمعة للبلاء العظيم والغضب الإلهي الذي يكاد يحل بهذه البلاد بسبب عمل المرأة واختلاطها بالرجال في شؤون الحياة! لم يتباكَ المحتسبون، ولم يتنمّر ويتسبّع ويستأسد حماة الفضيلة وحراس البوابة والأولياء والأوصياء على الناس. بدأ المعرض وانتهى وزاره مئات الآلاف من الرجال والنساء، ولم يدخل في دائرة الجدل التي تعودنا على الوقوف أمامها برؤوسنا المثلثة في كل مرة!

تذكرت معرض الرياض للكتاب الذي أقيم في آذار (مارس) الماضي في المكان نفسه، تذكرت كيف تنادى رجال الدين على تحريم الذهاب إليه، تذكرت الحملات الشعواء التي شنوها على عارضيه ومرتاديه ومنظميه، تذكرت كيف كان تنظيم هذا المعرض في «بلاد الحرمين» إيذاناً بدخول موجة التغريب والفساد!

تذكرت وفكرت: ما الفرق بين المعرضين؟ لماذا وضع بعض النشطاء الدعويين ثقلهم في حرب معرض الكتاب، بينما لم يتطرقوا من بعيد أو قريب «لغزوة» الجامعات الأجنبية التي جاءت لتخريب بناتنا وأبنائنا بحسب المخيلة الدينية التراثية؟!

تذكرت وصمتّ.

وقبل زيارتي المعرض كنت في قرية الجنادرية التراثية بصحبة عائلتي، وهناك رأيت بعض رجال الدين يصنعون نظاماً ارتجالياً يقوم على أفكارهم اللحظية ورؤيتهم الخاصة تجاه الحياة. رأيتهم يرسمون خطاً مختلفاً عن خط المنظمين الفعليين للمهرجان، ويسعون إلى فرض رؤية واحدية المشهد على الزوار والعارضين والمنظمين على حد سواء بهدف إفساد المهرجان. رأيتهم هناك على رغم تحريم عدد من رجال الدين «الناشطين» الذهاب إلى الجنادرية بحجة أنها بؤرة فساد ومخالفات شرعية!

وتذكرت وأنا هناك كيف كان هؤلاء النشطاء ينظرون للجنادرية قبل أعوام بوصفها «مركزاً لتراث الأجداد»، وكيف صارت اليوم نقيصة وطنية على رغم أن القرية هي القرية والمنظم هو المنظم والناس هم الناس!

تذكرت وصمتّ، لكني أدركت أن هناك من يحرك هؤلاء باسم الدين لأغراض لا علاقة لها بالدين. يُمسك مصفّو الحسابات بخيوط اللعبة، فتصمت الدمية هنا وتنطق هناك، وينساق القطيع خلف صمتها مرة وخلف صوتها مرات ومرات.

الذين تحدثوا ضد قرار تنظيف البلد من العمالة المخالفة، هم أنفسهم الذين حاربوا معرض الكتاب والجنادرية، وهم أنفسهم الذين لم يجدوا في معرض الجامعات العالمية أية مخالفة شرعية!

يختارون مواقعهم بعناية، ويرسمون مواقفهم بحسب ما تمليه المصلحة الخفية التي ربما لا يدركها الكثير منهم.

وعود على بدء، وخروج من منتصف المقالة، فإنني أشد على يد وزارة العمل وإدارة الجوازات، وأدعوهما إلى المضي في حملة المخالفين لتنظيمات سوق العمل المحلية، لكن بشروط خمسة:

أولاً: العمل على إيقاف تأشيرات «الشرهات».

ثانياً: عدم السماح للأفراد بالاستقدام المباشر، وإعطاؤهم فرصة الحصول على العمالة المنزلية من خلال شركات محلية تؤجر خدمات من هذا النوع، وبالتالي القضاء شيئاً فشيئاً على نظام الكفيل الذي سبب لنا صداعاً داخلياً وإحراجاً دولياً.

ثالثاً: تكوين شركات استقدام تضامنية يساهم فيها من شاء من المواطنين بحيث لا تكون حكراً على هوامير سوق الاستقدام.

رابعاً: تغليظ العقوبة على المواطن المتستر ومعاقبة الأجنبي المخالف بدلاً من الاكتفاء بترحيله فقط.

خامساً: تشديد الرقابة على التحويلات المالية.

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.