.
.
.
.

الزي الوطني والكسب المشبوه

فهد الطياش

نشر في: آخر تحديث:

ليت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد طبقت معاني الحديث الشريف الذي أوردته في إعلانها عن الكسب المشبوه. فالمصطفى عليه افضل الصلاة والسلام يقول في هذا الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ولكن الهيئة وظفت الحديث في التحذير من الوقوع في اسباب الكسب المشبوه, فماذا قدمت؟ وضعت اكثر من ثلاثين لقطة مكررة لشاب سعودي يرتدي العقال والشماغ وهو متلثم وتركت صورة واحدة لشاب سعودي غير متلثم. فهل الكسب المشبوه هو صفة للسعوديين فقط؟ وهل هذا الاعلان يمثل حدود الابداع لدى الشركة المنفذة؟ وما هي معايير الرسالة الاعلامية لدى الهيئة؟ ولذا اعتقد ان الاستفزاز الذي اثاره هذا الاعلان حرف مسار الاعلان من التحذير من الكسب المشبوه الى الامتعاض من الهيئة التي صورت المواطن السعودي كرمز للكسب المشبوه. مثل هذا الاعلان يجب ان لا يمر مرور الكرام على كل حريص على الصورة الذهنية للوطن والمواطن. فمثل هذه الإعلانات التي تريد "أن تكحلها فتعميها" كثيرة والجمهور يتركها تمر مرور الكرام لأن الضرر منها لا يتجاوز الصورة الكاريكاتورية للشخصية السعودية, أما هذا الاعلان فمربوط بصفة وصم لا يمكن القبول بها حتى وان كان الهدف منها نبيلا. وهذا الموضوع يضع عبئا اخلاقيا على الوسائل الاعلامية المختلفة وخاصة الصحف مما يحتم عليها رفض او تعديل مثل هذا الاعلان. فالإعلان الصحفي كما هو معروف في عالم الصحافة هو لتعزيز المكانة والصورة الذهنية اكثر مما هو للتسويق مقارنة مع الاعلان التليفزيوني. فعندما نتابع شركة تنشر اعلانات ماركة شهيرة من منتجاتها على الصفحة الاولى لفترة طويلة فبالتالي هي ترسل رسالة الى الجمهور بان هذه الماركة تحمل صورة ذهنية قوية. وهي تقول نحن لا نسعى ان تشتري هذه الماركة وانما لتعرف ان من اشتراها هو فرد من نادي الاثرياء او صناع القرار. وإعلان "نزاهة" سابق الذكر ماذا يريد ان يعزز من صور ذهنية؟ هل كل من يرتدي الشماغ ويتلثم لسبب من الاسباب هو من اهل الكسب المشبوه؟ أم ان لدى "نزاهة" فائضا ماليا كبيرا تبعثره دون أي تدقيق على الابداع الاعلاني. فليتها صرفت المبلغ على تدريب من يتابع الكسب المشبوه ميدانيا بدلا من هذه الاعلانات البائسة التي لا تحمل رسالة اقناع لتغيير سلوك او اتجاه, وانما انحرفت بوصلتها للجانب السلبي الذي طال المواطن في صورته التي لم تعد تحتمل أي تشويه جديد, وخاصة صورة الشباب منه. إنها بداية الحاجة الى تأسيس جمعية مجتمع مدني تراقب وتتابع الاعلانات بشتى انواعها والموجهة للجمهور السعودي او تعكس بشكل سلبي صورته الذهنية. فالكثير من دول العالم لديها مثل هذه الجمعيات التي تراقب وسائل الاعلام سواء لوقف محتوى العنف والجنس وتمرير الرسائل التي تسيء للمجتمع الى تلك الاعلانات التي تغفل المصداقية وبالتالي تتحمل وزر افعالها. فالمقاطعة احد اوجه الدفاع امام الشركات التي تسيء للمجتمع. ولكن ماذا عسى ان نفعل مع" نزاهة"؟ اعتقد اننا امام مأزق نرجو ان لا تستمر الهيئة الوقوع فيه دون الاستفادة من الجامعات السعودية في الحد الادنى بالقيام بعرض تلك الاعلانات على لجنة متعددة التخصصات لتدلي برأيها العلمي والوطني, وقبل ان تقع فأس الاساءة في رأس صورة المواطن المسكين. فهذا المواطن الذي فرح بنزاهة لتحافظ على المال العام, فإذا به يستعيد بدلا من اموال الكسب المشبوه صيت مواطن الإعلان المشبوه.

*نقلا عن صحيفة "الرياض" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.