.
.
.
.

الدفاع المدني.. و«أنصاف العقول»!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

وقعت بين يدي مقاطع لحالات تورط في مجاري السيول والأودية، وأعتقد أن هناك من تورط في مشاهدتها، على إثر هذه المقاطع نبدأ في صب كل الاتهامات والشتائم وحالات النقد الحادة والساخرة على عدد من الأجهزة المعنية بالتفاعل والحضور والإنقاذ، الدفاع المدني أحدها وأكثرها تعرضاً لسيل مواز من الانتقادات، ولي أن أعترف في البدء أن الجهاز ترتفع إمكاناته البشرية ومعداته الميدانية، وكذلك حضوره على أكثر من صعيد في شكل لافت، ويقابل ذلك ارتفاع في المسؤوليات وتضاعفاً في حساب النتائج وما تؤول إليه النهايات، ويمثل متحدثوه الإعلاميون في الآونة الأخيرة شعلة من النشاط المصحوب بشفافية وتحديات في الواقع لا يملكون تجاوزها أو علاجها فضلاً عن وجود ذات الجهاز على ساحة التواصل الاجتماعي في تفاعل مميز، وتواصل يجب أن نحترمه ونصفق له كاستثناء أمني.

الدفاع المدني يواجه هجوماً شعبياً عند ولادة أية مفاجأة، في حين أننا نتعامل مع أي حدث على أنه كارثة، ولا أعتبر الجهاز كاملاً وغير قابل للتقصير أو الأخطاء، لكنه بالمجمل يتحمل أخطاء غيره، وقد يقول أحدهم بخبث أنه لولا اشتعال الحرائق وحدوث الكوارث لبات الجهاز معفياً من المشاركة والحضور في خريطة العمل، إنما يغيب عن الذهن أن الجهاز يتحدى ثقافة شعبية أقل من المتوسط، ويتحمل في كثير من حوادث السيول - وهي حديث الساحة المحلية - تصرفات عشوائية وحالات ركوب للرأس من شباب همه المغامرة وخوض غمار ما يعتقد أنه أشبه بالتحدي، على رغم أن السيل لا يجيد المزاح إطلاقاً، بل ويجرف الصخور، فماذا عن الأجساد؟

أدافع عنه لأن ما يواجهه في تنفيذ مسؤولياته عبارة عن جملة من النتائج ومحصلات التقصير، والتجاوز والعناد البشري والثقة في سيارات الدفع الرباعي، وحماسة الجمهور العاشق لأفلام الاستعراض والتجارب الخطرة والثقافة التي ترفض أن تتعافى.

الأمطار والسيول لم تكن فقط اختباراً حقيقياً لجهاز الدفاع المدني وحده، بقدر ما كانت تعرية لأجهزة أخرى، وكشفاً صريحاً لرداءة كثير من البنى التحتية، وأنها ركزت على ما يشبه الماكياج من دون تفكير ولو لثوان أن الماكياج تزيحه قطرات من الماء فكيف بسيول عريضة تصطحب ما يعترض طريقها، وكان من البدهي وإن غمرنا التفاؤل، أن نعرف يوماً ولو طال بأن نتاج ذلك لن يعجبنا، لكنه سيحركنا ومن قبل ذلك يوقظنا.

يظل المفصل في حوادث ونتائج السيول - لدينا على الأغلب - أن قناعات مضروبة تصر على قدرة سيارات الدفع الرباعي المحرَّكة ببعض الرؤوس الخاوية على تجاوز أي سيل وخوض أي مغامرة على أن توثق بالصوت والصورة من الأصدقاء وعابري الطريق، وهو توثيق ينتهي إلى الموت، ولن أستثني أن ثمة من تورط فجأة في شيء من هذه الحوادث والحالات، وهنا أقول للدفاع المدني: هذا دورك، وهنا مسؤوليتك. حوادث السيول هي نتاج التعدي الجائر على الأودية والمخططات العشوائية والمشاريع الوقتية، وفوق ذلك الإيمان المطلق بأن الدفاع المدني هو قشة النجاة، صدقوني الدفاع المدني يجتهد ويسهم ويحاول إنقاذ الأبرياء والعقلاء والمبتلين، لكنه عاجز عن إنقاذ الجهلاء وأنصاف العقول والمتهورين.

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.