.
.
.
.

فزعـة مصور غثيـث

أحمد عجب الزهراني

نشر في: آخر تحديث:

لم يعد هطول المطر في الكثير من المناطق، خبرا يبشر بالخير، بل بات خبرا صاعقا مصحوبا بفاجعة إنسانية ملبدة عن آخرها بالمشاهد السوداوية، لم يعد هطول المطر، مثل ما كان عليه في الماضي سقيا رحمة يعم نفعه أرجاء البلاد، بل أصبح سقيا نتجرعها بكل مرارة مع اختلاف الزمان والمكان !!، لم يعد هطول المطر، مدعاة لتأمل الأجواء الجميلة والنسمات العليلة والمناظر الخلابة بل غدا هما يؤرق منامنا ويدمي مقل أعيننا ونحن نصبح ونمسي على صور ومقاطع فيديو فظيعة تصور اللحظات الأخيرة لحياة شاب أو عائلة بأكملها اختطفها السيل الجارف فاستحالت جثثا هامدة !!.

لا حول ولا قوة إلا بالله، قلتها ذات صباح بكل أسى ومرارة ، فما أن صحوت وهممت بنفض الكسل عن جسدي، حتى وردت أكثر من رسالة إلى جوالي، كانت تحمل صورا حية ومشاهد رهيبة، لأناس كانوا يعيشون بيننا لكنهم في غمضة عين راحوا ضحايا للسيول، وبغض النظر عن ماهية المسؤول الأول في تفاقم هذه الكوارث كل عام، إلا أن ثمة أمرا يحز في النفس ويجعلك تستشيط غضبا وأنت تشاهد تلك المقاطع إنه منظر ذلك ( الكائن ) الذي يمسك بالجوال ولا يظهر منه إلا قفاه، ومع أن ( الغريق يتعلق بقشة ) إلا أن أخانا ( والأخ إللي جالس يصور خلفه ) يقفون في طريق المنقـذين وما همهم إلا التصوير وإكمال المشهد للآخر !؟ .

يعتقد الكثيرون بأن التصوير في كل الحالات أمر مشروع وحرية فردية مطلقة، والحقيقة أن التصوير في بعض الأحيان يعد مخالفة بل قد يعتبر جريمة يعاقب عليها النظام بشدة، فقد أوضح نظام حماية حقوق المؤلف من بين ( محظورات الاستفادة من بعض المصنفات ) أنه : لا يحق لمن قام بإنتاج صورة أن ينشر أو يعرض أو يوزع أصل الصورة أو نسخا منها دون إذن من الأشخاص الذين قام بتصويرهم أو إذن ورثتهم، أما نظام مكافحة جرائم المعلوماتية فقد تضمن عقوبات مغلظة على كل شخص يرتكب أيا من الجرائم المعلوماتية وجاء من بينها المساس بالحياة الخاصة عن طريق استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا أو التشهير بالآخرين.

حقيقة أنا لا أعلم، أي غباء يكسو عقلية مثل هذا الشخص وهو يسمع صوت استغاثة الغريق في اللحظات الأولى ولا هم له سوى إشباع فضوله وضبط الجوال ووزن عدسة الكاميرا، أي مشاعر متبلدة تملأ قلبه وهو يشاهد بعينيه تعابير الهلع على وجه الغريق وتلويحة يده طالبا النجدة، ولا هم له سوى تقريب الصورة وزيادة مستوى الصوت أي فزعة قدمها أو ساهم بها هذا ( المصور الغثيث ) ، وقد اختتم همجيته بمشهد غرق المنقذ والمستغيث ؟!، إن المنطق يقول : إذا كان هناك تعويضات للمتضررين ومكافأة للأبطال المنقذين، فإن العدالة تقتضي هنا معاقبة المصورين الهواة الذين يعيقون عمليات الإنقاذ ويستهينون بأرواح الغرقى ويمثلون بجثثهم !!.

*نقلا عن "عكاظ" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.